وكتب النصر الحاسم للمسلمين، وتمت كلمة ربك {إَنْ تِنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتُ أَقْدَامَكُمْ} [محمد 7] [صور من الجهاد النبوي في المدينة ص 62 - 64] .
وكان من القدر الرباني أن يقع مهلك طالوت على يد الغلام داود، ومهلك الطاغية فرعون هذه الأمة - أبو جهل - على يد غلامين من المسلمين، وها نحن نرى التاريخ يعيد نفسه على أرض أفغانستان والشيشان وفلسطين حيث يسقط كبار العسكريين - قتلى أو أسرى - على أيدي مجاهدين لا يقيم لهم هؤلاء الأعداء أي وزن مادي أو دنيوي، ولا يملكون من الألقاب الجاهلية أي رصيد، سوى الدرجات العلا عند الله، التي يستخف بها أعداؤهم ولا يقيمون لها وزنًا.
أما في غزوة حنين فقد تجمعت للمسلين كل العناصر المادية لتحقيق النصر والغلبة حيث جاءت مباشرة بعد فتح مكة وهو فتح ونصر عظيم وبعد أن جاءت أغلب القبائل العربية للبيعة والدخول في الاسلام وتكسرت شوكة المشركين في مكة الذين كانوا يعتبرون رأس الرمح للكفر والشرك في جزيرة العرب وكانوا يمثلون العقبة الأساسية والكبرى في دخول الناس في دين الله. فلم يبق حينئذ سوى قبائل هوازن وثقيف ومعهما بعض القبائل الصغيرة التي أعدت العدة لقتال المسلمين ومحاولة السيطرة على الزعامة السياسية والدينية في الجزيرة بعد انكسار شوكة قريش.
يقول الشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى: (هذه هي المعركة التي اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى- جيش عدته اثنا عشر ألفًا فأعجبتهم كثرتهم، وغفلوا بها عن سبب النصر الأول، فردهم الله بالهزيمة في أول المعركة إليه ثم نصرهم بالقلة المؤمنة التي ثبتت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتصقت به) اهـ [في ظلال القرآن ص 1617] .
ويضيف فيقول: (إن معركة حنين لتعرض نتائج الانشغال عن الله، والاعتماد عن قوة غير قوته، لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية. حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة. إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحيانًا سببًا في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة، فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالًا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة.