الصفحة 29 من 35

فصل

الراضي بنقض العهد ناقض

قد بينت في رسالة"فك الأسارى في كنيس النصارى"أن نقض العهد من طرف بعض أهل الذمة ينسحب على كل من رضيه منهم فقلت هناك:

(من حيث المبدأ فإن الطائفة الناقضة للعهد والأمان يسري عليها حكم النقض الصادر من بعضها إلا إذا تبرأت من هذا البعض وأعانت المسلمين عليه.

دليل ذلك من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعاقب الناكثين للعهد بما صدر من بعضهم لا كلهم. روى ابن هشام عن أبي عون: أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهوديًا ـ فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.

ودليل ذلك من القرآن أن الله تعالى قال في شأن قوم صالح الذين عقروا الناقة: {فكذبوه فعقروها} مع أن الذي عقر الناقة شخص واحد هو الذي قال الله في شأنه {إذ انبعث أشقاها} ' عن عبد الله بن زمعة قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: {إذ انبعث أشقاها} انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة) [رواه مسلم] .

لكن لما كانت البقية مناصرة له كان حكمها حكمه. قال ابن جرير في تفسيره: جاء الخبر أنهم بعد تسليمهم ذلك أجمعوا على منعها الشرب ورضوا بقتلها وعن رضا جميعهم قتلها قاتلها وعقرها من عقرها ولذلك نسب التكذيب والعقر إلى جميعهم فقال جل ثناؤه: {فكذبوه فعقروها} .

فهذا الاعتداء الذي يحدث من النصارى يسري عليهم جميعا حكمه لأنهم مناصرون له) اهـ.

وقد صرح أهل العلم بانتقاض عهد كل من ظهر من حاله الرضا بالنقض من أهل الذمة.

قال القرطبي:

(فإن نقض بعضهم دون بعض فمن لم ينقض على عهده، ولا يؤخذ بنقض غيره وتعرف إقامتهم على العهد بإنكارهم على الناقضين) [تفسير القرطبي - (8/ 114) ] .

وقال الماوردي:

(فلو قاتل المسلمين بعضهم، وقعد عنهم بعضهم انتقض عقد المقاتل، ونظر في القاعد، فإن ظهر منه الرضا كان نقضا لعهده، وإن لم يظهر منه الرضا كان على عهده) [الحاوي في فقه الشافعي - (14/ 317) ] .

وقال ابن القيم:

(عقد العهد والذِمَّة مشروطٌ بنصح أهل العهد والذِمَّة وإصلاحهم، فإذا غشُّوا المسلمين وأفسدوا في دينهم، فلا عهد لهم ولا ذِمَّة، وبهذا أفتينا نحن وغيرُنا في انتقاض عهدهم لما حرقوا الحريق العظيمَ في دمشق حتى سرى إلى الجامِع، وبانتقاض عهد مَن واطأهم وأعانهم بوجه ما، بل ومَن علم ذلك، ولم يرفعه إلى ولى الأمر، فإنَّ هذا مِن أعظم الغش والضرر بالإسلام والمسلمين) [زاد المعاد في هدي خير العباد - (3/ 644) ] .

وبهذا يظهر انتقاض ذمة النصارى الذين تواطئوا على فتنة المسلمات عن دينهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت