الصفحة 25 من 35

فصل

في النهي عن تولية أهل الذمة

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]

قال الألوسي:

(والبطانة خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره مأخوذ من بطانة الثوب للوجه الذي يلي البدن لقربه وهي نقيض الظهارة ويسمى بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث و(من) متعلقة ب {لا تتخذوا} أو بمحذوف وقع صفة لبطانة، وقيل: زائدة،

و (دون) إما بمعنى غير أو بمعنى الأدون والدنيء، وضمير الجمع المضاف إليه للمؤمنين والمعنى: لا تتخذوا الكافرين كاليهود والمنافقين أولياء وخواص من غير المؤمنين أو ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الشرف والديانة، والحكم عام وإن كان سبب النزول خاصًا فإن اتخاذ المخالف وليًا مظنة الفتنة والفساد) [تفسير الألوسي - (3/ 186) ] .

وقال القرطبي:

(أكد الله تعالى الزجر عن الركون إلى الكفار. وهو متصل بما سبق من قوله: {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} والبطانة مصدر، يسمى به الواحد والجمع. وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره، وأصله من البطن الذي هو خلاف الظهر. وبطن فلان بفلان يبْطُن بُطونا وبِطانة إذا كان خاصا به. قال الشاعر:

أولئك خلصائي نعم وبطانتي ... وهم عيبتي من دون كل قريب

نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم. ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه؛ قال الشاعر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي

ثم بين تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: {لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} يقول فسادا. يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة، على ما يأتي بيانه) [تفسير القرطبي - (4/ 179) ] .

وروى ابن أبي شيبة في المصنف و ابن أبي حاتم في تفسيره: عن أبي الدهقانة، قال:

قيل لعمر بن الخطاب: إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة، لم ير قط أحفظ منه، ولا أكتب منه، فإن رأيت أن تتخذه كاتبا بين يديك، إذا كانت لك الحاجة شهدك، قال: فقال عمر: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين.

قال ابن كثير:

(ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذَّمَّة لا يجوز استعمالهم في الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين واطِّلاع على دَوَاخل أمُورهم التي يُخْشَى أن يُفْشوها إلى الأعداء من أهل الحرب؛ ولهذا قال تعالى: {لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} .

وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا هُشَيم، حدثنا العَوَّام، عن الأزهر بن راشد قال: كانوا يأتون أنَسًا، فإذا حَدَّثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتَوا الحسن -يعني البصري-فيفسره لهم. قال: فحدَّث ذات يوم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ، ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنسا حَدّثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا فقال الحسن: أما قوله:"ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا: محمد صلى الله عليه وسلم. وأما قوله:"لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ"يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} ) [تفسير ابن كثير] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت