الصفحة 13 من 35

فصل

في اشتراط الجزية والصغار لصحة عقد الذمة

قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]

اتفق أهل العلم على أن هذه الآية الكريمة هي الأصل في مشروعية الجزية، وهي دالة على التلازم بين الجزية وعقد الذمة من عدة وجوه:

الوجه الأول:

أنها جعلت قتال أهل الكتاب مشروعا إلى أن يدفعوا الجزية كما دل على ذلك مفهوم"حتى"الذي يدل على انتهاء الغاية، ومدلول الغاية قيل بأنه من المنطوق كما ذكر السبكي في جمع الجوامع.

فدلت الآية على أن أهل الكتاب إما أن يدفعوا الجزية وإما أن يعمل فيهم السيف.

الوجه الثاني:

أن الآية دلت على أن الجزية بدل عن القتال وأنها تؤخذ من أهل الكتاب مقابل الكف عنهم وهذا هو مدلول اشتقاقها:

قال القرطبي:

(الجزية وزنها فعلة، من جزى يجزي إذا كافأ عما أسدي إليه، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، وهي كالقعدة والجلسة. ومن هذا المعنى قول الشاعر:

يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى) [تفسير القرطبي - (8/ 114) ] .

قال ابن القيم:

(واختلف في اشتقاقها فقال القاضي في الأحكام السلطانية اسمها مشتق من الجزاء إما جزاءا على كفرهم لأخذها منهم صغارا أو جزاءا على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا) [أحكام أهل الذمة - (1/ 119) ] .

وقد رد ابن القيم على من زعم بأن الجزية أجرة عن سكنى دار الإسلام فقال:

(ليست الجزية أجرة عن سكنى الدار:

قد تبين بما ذكرنا أن الجزية وضعت صغارا وإذلالا للكفار لا أجرة عن سكنى الدار وذكرنا أنها لو كانت أجرة لوجبت على النساء والصبيان والزمني والعميان ولو كانت أجرة لما أنفت منها العرب من نصارى بني تغلب وغيرهم والتزموا ضعف ما يؤخذ من المسلمين من زكاة أموالهم ولو كانت أجرة لكانت مقدرة المدة كسائر الإجارات ولو كانت أجرة لما وجبت بوصف الإذلال والصغار ولو كانت أجرة لكانت مقدرة بحسب المنفعة فإن سكنى الدار قد تساوي في السنة أضعاف الجزية المقدرة ولو كانت أجرة لما وجبت على الذمي أجرة دار أو أرض يسكنها إذا استأجرها من بيت المال ولو كانت أجرة لكان الواجب فيها ما يتفق عليه المؤجر والمستأجر، وبالجملة ففساد هذا القول يعلم من وجوه كثيرة) [أحكام أهل الذمة - (1/ 122) ] .

الوجه الثالث:

أن الآية دلت على أن الغاية من الجهاد هي إسلام هؤلاء الكفار أو دخولهم في الذمة بدفع الجزية.

قال الباجي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت