فصل
في وجوب قتال من نكث العهد
دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بشكل صريح على مشروعية قتال من نكث العهد من الكفار أو أخل بشروط الذمة ولم يلتزم للمسلمين بالوفاء بالعهد.
ومما ورد في ذلك:
أولا:
قال تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 12، 13] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(النكث هو مخالفة العهد فمتى خالفوا شيئا مما صولحوا عليه فهو نكث مأخوذ من نكث الحبل و هو نقض قواه و نكث الحبل يحصل بنقض قوة واحدة كما يحصل بنقض جميع القوى لكن قد بقي من قواه ما يستمسك الحبل به و قد يهن بالكلية و هذه المخالفة من المعاهد قد تبطل العهد بالكلية حتى تجعله حربيا)
والآية الكريمة تدل على مشروعية قتال كل من نكث العهد وإباحة دمه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(النكث و الطعن وصف مشتق مناسب لوجوب القتال و قد رتب عليه بحرف الفاء ترتيب الجزاء على شرطه و ذلك نص في أن ذلك الفعل هو الموجب للثاني) [الصارم المسلول - (1/ 21) ] .
بل إن في الآية الكريمة تحريضا على قتال من كانت هذه صفته كما قال الطاهر بن عاشور:
(فكانت جملة {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} تحذيرا من التراخي في مبادرتهم بالقتال) [التحرير والتنوير - (10/ 37) ] .
وقال الألوسي:
( {أَلاَ تقاتلون} تحريض على القتال لأن الاستفهام فيه للانكار والاستفهام الانكاري في معنى النفي وقد دخل النفيَ، ونفى النفي إثبات، وحيث كان الترك مستقبحًا منكرًا أفاد بطريق برهاني أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه فيفيد الحث والتحريض عليه) [تفسير الألوسي - (7/ 174) ] .
وصرح شيخ الإسلام ابن تيمية بأن هذه الآية تدل على (أن مجرد نكث الأيمان مقتض للمقاتلة و إنما ذكر الطعن في الدين و أفرده بالذكر تخصيصا له بالذكر و بيانا لأنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال و لهذا يغلظ على الطاعن في الدين من العقوبة ما لا يغلظ على غيره من الناقضين) .
وهو أيضا ما ذهب إليه الكيا الهراسي فقال:
(قوله تعالى: {وإنْ نَكَثُوا أَيمَانَهُم مِنْ بَعدِ عَهدِهِم وَطَعَنُوا في دِينِكُم} ، الآية: [12] .
يدل على أن المعاهد لا يقتل في عهده ما لم ينكث، وذكر الأمرين لا يقتضي توقف قتالهم على وجودهما، فان النكث يقتضي ذلك بانفراده عقلًا وشرعًا.
فالمراد به على هذا الوجه التمييز في الجمع، وتقديره: