فإن نكثوا حل قتالهم وإن لم ينكثوا وطعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم).
[أحكام القرآن للكيا الهراسى - (3/ 49) ] .
وفي الآية الكريمة إبطال لقول أبي حنيفة أن مجرد الطعن في الدين لا ينقض به العهد.
قال الكيا الهراسي:
(وهذا يقوي مذهب الشافعي، فإن المعاهد إذا جاهر بسب الرسول وطعن في الدين فإنه يحل قتله وقتاله .. وأبو حنيفة رأى أن مجرد الطعن في الدين لا ينقض به العهد، ولا شك أن دلالة الآية قوية فيما قاله الشافعي) [أحكام القرآن للكيا الهراسى - (3/ 49) ] .
وهذه الآية ليست خاصة بمن نزلت في شأنهم من المشركين الناكثين لعهد النبي صلى الله عليه وسلم بل هي عامة في كل من نكث العهد من المشركين لما هو مقرر من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال الثعالبي في تفسيره:
(وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنه لا يُعْنَى بها معيَّنٌ وإِنما وَقَعَ الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكَفَرةِ إِلَى يوم القيامة، واقتضت حالُ كفَّار العرب ومحارِبي النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَن تكون الإِشارة إِليهم أَولًا، ثم كُلُّ مَنْ دَفَعَ في صدر الشريعة إِلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم) [تفسير الثعالبي - (2/ 129) ] .
كما أنها ليست خاصة بأهل العهد من المحاربين بل إنها تشمل أيضا أهل الذمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(و هذه الآية و إن كانت في أهل الهدنة الذين يقيمون في دارهم فإن معناها ثابت في أهل الذمة المقيمين في دارنا بطريق الأولى) [الصارم المسلول - (1/ 16) ] .
ثانيا:
قوله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [9/ 7] ،
قال الطاهر بن عاشور:
(وقوله: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} تفريع على الاستثناء. فالتقدير إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم، أي ما داموا مستقيمين لكم. والظاهر أن استثناء هؤلاء لأن لعهدهم حرمة زائدة لوقوعه عند المسجد الحرام حول الكعبة.
و {مَا} ظرفية مضمنة معنى الشرط، والفاء الداخلة على فاء التفريع. الوفاء الواقعة في قوله: {فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} فاء جواب الشرط، وأصل ذلك أن الظرف والمجرور إذا قدم على متعلقه قد يشرب معنى الشرط فتدخل الفاء في جوابه ....
والاستقامة: حقيقتها عدم الاعوجاج، والسين والتاء للمبالغة مثل استجاب واستحب، وإذا قام الشيء انطلقت قامته ولم يكن فيه اعوجاج، وهي هنا مستعارة لحسن المعاملة وترك القتال، لأن سوء المعاملة يطلق عليه الالتواء والاعوجاج، فكذلك يطلق على ضده الاستقامة.) [التحرير والتنوير - (10/ 29) ] .
وقال أيضا:
(والاستقامة: كون الشيء قويما، أي غير ذي عوج وتطلق مجازا على كون الشيء حقا خالصا ليست فيه شائبة تمويه ولا باطل.