الصفحة 26 من 35

وفي هذا دليل بين على حرمة استعمال أهل الذمة في أعمال المسلمين لما جبلوا عليه من بغض الإسلام وكراهيته، فكل من ولاهم أمرا من أمور المسلمين فهو ساع في هدم الإسلام.

وقد نبه القرافي في الفروق على أهمية استحضار ما في أهل الذمة من خصال ذميمة فقال:

(وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا صلى الله عليه وسلم وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا عز وجل ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالا لأمر ربنا عز وجل وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم لا محبة فيهم ولا تعظيما لهم ولا نظهر آثار تلك الأمور التي نستحضرها في قلوبنا من صفاتهم الذميمة لأن عقد العهد يمنعنا من ذلك فنستحضرها حتى يمنعنا من الود الباطن لهم والمحرم علينا خاصة) [أنوار البروق في أنواع الفروق - (4/ 400) ] .

ثم ذكر قصة الشيخ أبي الوليد الطرطوشي مع الخليفة بمصر فقال:

(ولما أتى الشيخ أبو الوليد الطرطوشي رحمه الله الخليفة بمصر وجد عنده وزيرا راهبا وسلم إليه قياده وأخذ يسمع رأيه وينفذ كلماته المسمومة في المسلمين.

وكان هو ممن يسمع قوله فيه فلما دخل عليه في صورة المغضب والوزير الراهب بإزائه جالس أنشده:

يا أيها الملك الذي جوده ... يطلبه القاصد والراغب

إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب

فاشتد غضب الخليفة عند سماع الأبيات وأمر بالراهب فسحب وضرب وقتل وأقبل على الشيخ أبي الوليد فأكرمه وعظمه بعد عزمه على إيذائه فلما استحضر الخليفة تكذيب الراهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبب شرفه وشرف آبائه وأهل السموات والأرضين بعثه ذلك على البعد عن السكون إليه والمودة له وأبعده عن منازل العز إلى ما يليق به من الذل والصغار.

ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في أهل الذمة أهينوهم ولا تظلموهم وكتب إليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلا نصرانيا بالبصرة لا يحسن ضبط خراجها إلا هو وقصد ولايته على جباية الخراج لضرورة تعذر غيره فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهاه عن ذلك وقال له في الكتاب مات النصراني والسلام أي افرضه مات ماذا كنت تصنع حينئذ فاصنعه الآن) [أنوار البروق في أنواع الفروق - (4/ 401) ] .

وقد كان أهل الجور والفساد من الأمراء يستعينون بأهل الذمة في أمورهم ولا شك أن في ذلك إعلاء لمنزلتهم ورفعا لهم على المسلمين بما يتنافى مع الصغار الذي أخذوا به الأمان.

وقد بلغت مكانة اليهود في زمن الدولة العبيدية أن قال القائل-في وصف ما هم عليه من العز والسؤدد:

يهود هذا الزّمان قد بلغوا ... ... ... غاية آمالهم، وقد ملكوا

العزّ فيهم والمال عندهم ... ... ... ومنهم المستشار والملك

يا أهل مصر إنّي قد نصحت لكم ... تهوّدوا قد تهوّد الفلك.

وحدث الأمر نفسه في دولة غرناطة حتى تحكم اليهود وصار الحكم كأنه بأيديهم

وفي ذلك يقول القائل:

تحكمت اليهود على الفروج ... وتاهت بالبغال وبالسروج

وقامت دولة الأنذال فينا ... ... وصار الحكم فينا للعلوج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت