الصفحة 1005 من 1360

بل حتى زعم القبوريين أنَّ ما يفعلونه من أمر الله ورسوله، يُقابله قول المشركين في الجاهلية كما حكى الله عز وجل عنهم: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) ، وهذا حجة غالب المشركين من عباد القبور اليوم، بل قد لقيت من كبار مشايخ أهل الشرك المعمرين، من يحتج بحجة الكفار الأولين بعينها، ويقول ليس لك أن تنكر ما عليه الناس لأنَّهم أخذوه عن آبائهم، وآباؤهم لا شك أنَّهم أخذوه عن آبائهم، وأخذه الخلف عن السلف، ثم هو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!، وهذا عين ما في الآية من احتجاج المشركين بأمرين: أنهم وجدوا عليه آباءهم، وأن الله أمرهم به قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: "ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع"، وهذا وإن كان ورد في سياق الفاحشة التي فسرت بأنها طوافهم بالبيت عراة، إلا أنه يدل على وجه استدلالهم بفعل آبائهم، وهو ظنهم أن فعل آبائهم عن شريعة من الله.

وهذا الغلط كما يقع من بعض المخالفين في مسألة العذر بالجهل من طلاب العلم، فإنَّه يقع في العامة كثيرًا في عذر المعاند المنتسب إلى الإسلام، فلا يكفرون منتسبًا إلى الإسلام أبدًا، بل قد سمعت بعض من كانوا يسمون دعاة الصحوة ممن بدل تبديلًا كثيرًا يقول: لا أكفِّر من يقول أنا مسلم، عند سؤاله عن مثل حافظ الأسد وطواغيت العرب من الحكام المرتدين، وهذه عين الشبهة العامِّيَّة، وليت شعري إن كان هذا المسلك هدى وحقًّا، فلم كلف الصديق نفسه مقاتلة مسيلمة ومن معه حتى فني خيار الصحابة واستحرَّ القتل في القراء أهل العلم والقرآن؟! وأكثر من حكم أهل العلم بكفرهم من المرتدين، إن لم يكن غالبهم كانوا ينتسبون إلى الإسلام ويأبون أن يُوصفوا بغيره.

بل طرد هذا القول: أن لا يكفر من يقول أنا على دين موسى، أو أنا على دين عيسى من اليهود والنصارى، وهذا القول ممعن في الضلالة بعيد كل البعد عن دين الله وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: لا يُسلَّم بهذا فإنَّهم كفروا بعد بعثة محمد ونسخ أديانهم، فمقتضى هذا أنَّهم لو انتسبوا إلى الإسلام بعد بعثة محمد وبقوا على ما هم عليه عُذر جاهلهم وكان مسلمًا، ومقتضاه أيضًا أنَّ جهالهم كانوا جميعًا مسلمين مؤمنين وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما كفروا ببعثته، وهذا معلوم البطلان.

وليس معنى ما تقدَّم أننا نقول إنَّه لا فرق بين المنتسب إلى الإسلام وغير المنتسب إليه من المشركين البتة، بل انتساب الرجل إلى الإسلام بعد كفره يثبت له به الإسلام في الظاهر، فإذا لم يلتزم أحكامه، أو ارتكب المكفرات التي تُناقض أصل التوحيد، فإنَّه يُحكم عليه بالردة، وأما الطوائف الكفرية التي تنشأ على هذا القول، ففي إثبات الإسلام لهم بانتسابهم إلى الإسلام قولان لأهل العلم، فمنهم من يرى أنَّ الإسلام يثبت لهم بالانتساب وتثبت الردة بما يرتكبون من المكفرات، ومنهم من يرى أنَّهم كفار أصليون، وأن انتسابهم كانتساب مشركي قريش إلى ملة إبراهيم، وهو الأصح لما تقدم من عدم الفرق بين الانتسابين والله أعلم.

هذا وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت