فهرس الكتاب
بقلم الشيخ: عبد الله بن ناصر الرشيد
من قواعد الشريعة المتقرِّرة في معاملة الكفَّار عامَّة، وفي جهادهم خاصَّة، قاعدة المُعاملة بالمثل، وهي قاعدةٌ مطّردة في كثيرٍ من مسائل الجهاد، فجوّزت الشّريعَةُ المُثلة بالكافرين على المعاقبة بمثل ما عاقبوا به، وغير ذلك.
والأصل في المعاملة بالمثل، قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) ، وقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) .
وأمَّا الأشهر الحرم، فقد ورد فيها النَّصُّ الخاصُّ، فقال الله عزَّ وجلَّ: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) .
ففي قوله الشهر الحرام بالشهر الحرام، إثباتُ هذا الحكم في الأشهر الحرم، وفي قوله (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) ، تعليلٌ وتوكيدٌ له وتعميمٌ للحكم في الحرمات المنتهكة عدا ما حُرِّم لذاته، وفي قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ .. ) تحريضٌ على هذا، وإذنٌ للمسلمين في مقابلةِ كُلِّ عدوانٍ من الكفَّار بمثله.
فجاءت الآية بالحكم على ثلاثة مراتب بدأت بالأخصِّ، وهو مقابلة العدوان في الشهر الحرام بالعدوان في الشهر الحرام، ثمَّ انتقلت إلى أعمَّ منه وهو مقابلة العدوان على الحرمات بالعدوان على الحرمات، وتشمل الحرمات الزمانية والمكانية وغيرها، ثم انتقلت إلى الأعمِّ وهو مقابلة كلِّ عدوانٍ بعدوانٍ مثلِه، وهذه المراتب الثلاث كلها موجودةٌ في الشهر الحرام، فيكون ذكر كلٍّ منها تأكيدًا للحكم فيه.
ومثل هذا ما تقدَّم في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) ، على تفسيرها بأنَّ المراد مقاتلتهم في الأشهر الحرم وغيرها، فإنَّها تكون معلَّلةً بأنَّ المشركين يُقاتلون في الشهر الحرام، فدلَّ على أنَّ من قاتلنا في الشهر الحرام كان لنا أن نقاتله فيه.
ومن ذلك ما يأتي في المقال القادم بإذن الله، من قصة الحديبية.
وهذا الحكم ينطبقُ على نوعين من العدوِّ:
الأوَّل: من يلتزم الأشهر الحُرُم، ثمَّ ينتهكها، كما تُنقض العهود والمواثيق؛ فجاز في مثل هذا أن يُقاتل في الشهر الحرام قصاصًا، وهو ظاهر في الآية.
الثاني: من لا يلتزم تحريم الأشهر الحرم ولا يراها، من كفَّار العجم وعامَّةِ كُفَّار اليوم، إذا قاتلونا في الشهر الحرام، والظَّاهر أنَّ البغاة من المسلمين كذلك؛ فلو بغى علينا طائفةٌ من المسلمين وكانوا يرون نسخ تحريم الأشهر الحرم فقاتلونا فيها، جاز لنا أن نقاتلهم في الشهر الحرام كما قاتلونا، لأنَّه قصاصٌ كما سمّاه الله فلنا استيفاؤه، ولكنَّ استيفاء القصاص في قتال البُغاة لا يكون على جهة القصاص وحدها، وإنَّما يكون لدفع البغي ومعنى القصاص يوجد في إباحة دفع بغيهم في الشهر الحرام فقط، لا قتالهم انتقامًا.
ولا فرق بين من لا يلتزم الأشهر الحرم أصلًا ومن كان ملتزمًا لها ثمَّ نكث فيها، وقد أخذ أخذ عمر بن الخطاب العشور من تجّار الروم لمًّا كانوا يأخذونها من المسلمين، ولم يستفصل هل هم ملتزمون تحريم المكس أم ليس عندهم محرّمًا.