الصفحة 1021 من 1360

كما أنَّ الله أذن للمؤمنين بالمثلة في مشركي قريشٍ لمَّا مثّلوا بالمسلمين، مع أنَّ المشركين ليس لهم دينٌ يمنعُ المثلة ويحرّمها عليهم، فجاز أن نعاملهم بالمثل في انتهاك حرمةٍ لا يلتزمون هم تحريمها.

والعلَّة التي لأجلها أُذن بالمُثلة، لا تفريق فيها بين الكافر الملتزم للحكم إذا نقضه، والكافر الّذي لم يلتزمه، فإنَّ العلَّة هي شفاء الصُّدور بالاقتصاص، ومكافأة السيئة بمثلها، والنكاية في أعداء الله بقدر ما يفعلون في المسلمين، وكلُّ هذه لا تفريق فيها بين ملتزم الحكم الناكث له، ومن لم يلتزمه.

وقد ذكر أبو العبّاس ابن تيمية رحمه الله أنَّ المُثلة بالكافرين، وإن كان الأصل تفضيل العفو عليها، إلاَّ أنَّ محلَّ ذلك المثلة تشفيًّا، وأمَّا المثلة إذا كان فيها إرهابٌ لأعداء الله، ونكايةٌ وإثخانٌ فيهم، وردعٌ لهم عن المسلمين، فإنَّها مطلوبةٌ مندوبٌ إليها.

والقتال في الأشهر الحرم كذلك، فإنَّه متى كان فيه ردعٌ لأعداء الله وغلظة عليهم ونكايةٌ فيهم كان فعله أفضل من تركه، ويكون مندوبًا إليه مرغَّبًا فيه محرَّضًا عليه فوق الأصل الثابت من الوجوب في عموم الأوقات، فهي مخصوصةٌ بمزيدِ تعيُّنٍ وفضلِ وجوبٍ.

وقد ذكر بعض أهل العلم أنَّ المجنيَّ عليه في الشهر الحرام، له أن يقتصَّ في الشهر الحرام ويكون آخذًا بحقِّه، وله أن يقتصَّ في غيره وينزل عن حقِّه في خصوص الشهر الحرام.

فإذا كان ذلك في القصاص بين المسلمين فهو أولى في الاقتصاص من الكافرين، كيف وقد نصَّ الله عليه وأمر به فقال: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) .

والفرق بين القتال في الشهر الحرام معاملةً بالمثل، والقتال في الشهر الحرام دفعًا للكافرين، أنَّ القتال معاملةً بالمثل يكون في الاقتصاص والانتقام بعد انتهاء عدوانهم، أما الدفع فيكون حال التخلص منهم ومدافعتهم، وفي المقال القادم بإذن الله سيكون الحديث عن جهاد الدفع في الشهر الحرام، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت