الصفحة 1023 من 1360

هذا الكلام كله حقٌّ، فإن كل بابٍ إذا فتح لكل أحد لم يُغلق أبدًا، وكل الحجج يُمكن توسيعها لتشمل ما لا يدخل تحتها في الحقيقة سواء في أمر القتال أو غيره، ومن المعروف في حياة الناس كلهم أن الظن قد يتوهمه بعض الناس حقيقةً يجزم بها، ويكون مخطئًا في ظنه، ولا أدلَّ على ذلك من قناعات صاحب هذه الفتوى التي توهمها توهمًا ثم ما لبث أن أصبحت عنده حقائق مسلمات لا تقبل النقاش، وإن كانت تُخالف الحقائق المسلمات من دين الله عز وجل.

وهذه الأخطاء التي ذكرها صاحب المقال يجب على الجميع أن يحذر منها، في كل مجال وفي كل جانب، فإن فتح مجال الاجتهاد لكل أحد في الفتوى أو في الكتابة أو في الكلام وما يسمى بحرية التعبير يؤدي إلى الفوضى العظيمة، ولا بد من ضبط كل شيء بضوابطه الشرعية المعروفة، وإن كنا نجد كاتب هذه الفتوى من أول من يُخالف حين يدعو إلى حرية التعبير وفتح بابه على مصاريعه وليس على مصراعين فقط!

وكما ذكرنا، فإن النتيجة الطبيعية إذا عرفنا هذا الخطأ هي تجنبه والبحث في وسائل العلاج والحل، هذا لمن كان صادقًا في كلامه، ويتألم لهذا الخطأ، ويحرص على علاجه حتى لا يؤثر في المسيرة الصحيحة والجهاد الحقِّ.

فماذا بنى صاحب الفتوى على هذه المقدمة؟! اقرأ فيما يلي:

ولذا فإن الصواب أنه لا يجوز للمقاتلين في العراق أن يستهدفوا إخوانهم العراقيين, سواء كانوا من المدنيين, أو من العسكريين, أو غيرهم.

ولا يسوغ لهم هذا تحت أي حجة من الحجج,

أرأيتَ أخي القارئ؟! هذا نصُّ الكلام، وللملاحظة فليس هناك أي بترٍ أو إنقاصٍ من الفتوى المذكورة بل الفتوى بفصِّها ونصِّها مدرجة ضمن هذا المقال.

النتيجة لاحتمال وجود من يتوسع هو الغلو في الجانب الآخر! ونتيجة الفعل الخاطئ، رد الفعل الطائش!! وبناءً على (الاحتمال) - وليس على الأمر الواقع - يجب أن يُترك المجرم البيّن جرمه العميل الخبيث المُنتن الفاجر! ويُرمى حبله على غاربه يعيث فسادًا في الدين والأموال والأعراض، نعم ليست المسألة اقتراحًا بل يقول هذا المُفتي: لا يجوز .. فلو رأيتَ الذي يُوزِّع الشرائح لتقصف الطائرات الأمريكية على آثارها، ولو رأيتَ الذي يقود المحصنات المؤمنات الغافلات ليفجر بهنَّ الأمريكان، فلا يجوز -في ذمَّة هذا المُفتي- أن تقتله، وليس هذا لازمًا لقوله، بل هو عموم كلامه الذي أكَّده تأكيدًا لا يحتمل الشكّ بقوله: ولا يسوغ لهم هذا تحت أيّ حجّة من الحجج .. سبحانك ربَّنا ما أحلمك ..

قد يقول قائل إنَّه يعني بعض الأفراد المنتشرين في البلاد، ولا يقصد العُملاء البارزين المعروفين، وقد يقول قائل إنَّه يخشى من قتل العملاء المستترين الذين لا يُدرى هل هم عملاء أم لا؟ ولكنَّ هذا القائل سيجد كاتب الفتوى أول من يقطع عليه باب الاعتذار له، ويقول: سواء كانوا من المدنيين أو من العسكريين أو غيرهم.

فبالله عليكم، من هم العسكريون في العراق اليوم؟! ومن يقصد هذا الكاتب بهذه المجادلة وهذا الدفاع المستميت والعياذ بالله؟! إن الحديث ليس عن جنود الطواغيت في دولة من الدول التي تلبس على الناس، بل الحديث عن كلاب الجيش الأمريكي في العراق، العساكر الذين يُقاتلون مع الأمريكان اليوم!! إنهم ليسوا عملاء لا يُعرفون إنَّهم عسكريون يلبسون لباس الحكومة العميلة وشارتها التي تُنادي ليل نهار: يا مسلم يا عبد الله هذا عميلٌ تحتي تعال فاقتله!!

إنَّ الحديث بوضوح وصراحةٍ، هو عن جميع عملاء الجيش الأمريكي، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين!!

وإن الفتوى بكل وضوحٍ أيضًا، هي توقيع عن رب العالمين، بتحريم قتل جميع هؤلاء العملاء!!

"إنَّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت