فهرس الكتاب
أبو أحمد المدني يسأل عن اختلاف سياسة الحرب بين المجاهدين، فشيخ المجاهدين أبو عبد الله أسامة بن لادن يرى الابتداء بقتال الصليبيين وتأخير قتال المرتدين، وأبو مصعب الزرقاوي يرى قتال الصليبيين والمرتدين والرافضة كما هو مشاهد في العراق، فما هي السياسة الموافقة للشرع من هذه السياسات وهل يُثرّب على من أخذ ببعضها وترك الآخر؟
تقدَّم في العدد الثامن عشر الجواب عن مسألة تقديم الصليبيين وهل هو أولى أم تقديم المرتدين، وبُيّن هناك سعة الأمر في الشريعة والتخيير في الابتداء بشرط التزام قتال الطائفتين، وهذا كلُّه في جهاد الدفعِ عمومًا لا دفع الصائل حال صياله خصوصًا فلا يجوز تأخير المرتدِّ ولا الصليبي في الحال الثانية.
أمَّا قول السائل إنَّ أبا عبد الله أسامة بن لادن يرى تأخير قتال المرتدّين بهذا الإطلاق، فليس بصوابٍ، وما يقع في العراق سواءٌ من عمليات أبي مصعب أيَّده الله، أو من عمليات غيره من إخوانه المجاهدين لا يُخالف سياسة أبي عبد الله المعروفة عنه في الجملة، فاغتيال الحكيم الذي كان في ابتداء الحرب مماثلٌ لما فعله أبو عبد الله من اغتيال أحمد شاه مسعود قبل الحملة الأمريكية، ومن تأمَّل حال الرجلين عرف التشابه بين حاليهما، وكلاهما ممن ينتسب إلى الإسلام زورًا، وكلاهما من العملاء الكبار، وكلاهما ممن لا يتم مخطط للاحتلال إلا بوجوده، ولا تجتمع قلوب العملاء ووجوهم إلا عليه، فكما لم يجتمع تحالف الشمال بعد اغتيال أحمد شاه مسعود، لم يجتمع الرافضة في العراق بعد اغتيال الصدر، وقد أربك اغتيال كلٍّ منهما خطط الاحتلال بحمد الله.
وكذلك قتال الحكومة العميلة في العراق وجنودها ومراكز شرطتها، هو مطابقٌ لما فعله أبو عبد الله بنفسه في أفغانستان، حيث كان كثير من قتاله للعملاء من تحالف الشمال، فهذا النوع من القتال لا يُخالف أبو عبد الله في مصلحته والضرورة إليه، ولا يرى غيره أولى منه في السياسة حسب ما عُرف عنه حفظه الله وسدده، ولا أعلمُ له شيئًا يُخالفه.
وإنَّما المسألة التي يراها أبو عبد الله واختلطت على كثيرٍ من الناس كالأخ السائل بما يجري في العراق، هي قتال المرتدين في البلاد التي ليس فيها احتلال معلنٌ، فيرى الاشتغال في تلك البلاد بقتال الصليبيين والأعداء المعروفين لعموم الأمة، حتى تتبصر الأمة بواقعها وتعرف حقيقة عدوها، وتنكشف لها الحكومات العميلة، وتتمايز الصفوف وتتضح الرايات.
ومن كانَ مُقاتلًا في صفوف جيشِ القاعدة لزمه الالتزام بأمرِ أميره وما خطَّهُ للمجاهدين تحت إمرته من خطط وسياساتٍ، وحيث قُلنا إن الأمير مخيَّرٌ في سياسة الحرب فالمُراد حيثُ لم ينهه أميرٌ فوقه عن شيء من ذلك، فمن كان أميره أبو عبد الله لزمه أن يلتزم أمرَه، وقد ترك حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قتل أبي سفيان مع كونه قائد التحالف الشركي يوم الأحزاب، فكأنَّك قد ظفرتَ ببوشٍ، وتركه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم له أن لا يُحدث شيئًا، وهكذا كل أميرٍ يُعلم نصحه وصدقُهُ، إذا نهى عن قتال طائفةٍ من الكفار في وقتٍ محددٍ مع التزامه أصل قتالهم فإنَّه يُطاع في ذلك.
ومن لم يكن لأبي عبد الله عليه إمارةٌ من المجاهدينَ، فرأيُ أبي عبدِ الله رأيُ إمامٍ من أئمة الجهادِ، واجتهاده اجتهادُ عالمٍ بالحرب بصير بالسياسة، ينبغي الوقوف عنده والتأمل فيه طويلًا، ويحسن الأخذ به إلا لمن له اجتهادٌ يرى به أنَّه لا يجوز تأخير قتال المرتدِّين حيثُ قُدِر عليهم، ولكنَّه غيرُ لازمٍ له كسائر الأوامر الصادرة منه، والله أعلم.
وكتبه عبد الله بن ناصر الرشيد.
تنبيه من المجلة