ذاقه الكريمُ بنُ الكريمِ بنِ الكريمِ بنِ الكريمِ يوسفُ الصديقُ عليه السلام، ولبث في السجنِ بضعَ سنينَ، وتوعَّد به فرعونُ موسى، وكادت به قريشٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ...
كلُّنا نكره الأسرَ ونستعيذُ بالله منه، ولكن الانحرافَ الخطرَ في هذه النقطة؛ هو انحرافُ من يقول: لن أُجاهدَ لأنني أخشى الأسر! والله عز وجل الذي فرض الجهاد على ما فيه من الألم والقرح والمشقة يعلم أنَّ من القرح في الجهاد الأسر، ولكنَّ الأسر ليس بعذرٍ للمتقاعسين والقاعدين.
نفسك ليست مملوكةً لك، بل كما يقول الشيخ عمر بن عبد الرحمن فك الله أسره: "لقد بعتم أنفسكم لله ورضيتم بالجنة ثمنًا لها، وهو سبحانه صاحب الحق في أن يضع السلعة التي اشتراها حيث شاء، وما عليكم إلا التسليم والرضا؛ لأنها بالبيع خرجت عن ملككم، فإن شاء ابتلاكم بالسجن، وإن شاء رزقكم الشهادة، وليس لكم أن تشترطوا فتقولوا نريد شهادة ولا نريد سجنًا" اهـ.
لو أنَّ المجاهدين في كل مكان اعتزلوا الجهاد وميادينَه وجبهاتِه خوفًا من الأسر، ولم يكن للمسلمين شوكةٌ ولا حدٌّ ولا قوَّةٌ ترهب الأعداء، لما كان بين الروس وبين احتلال بلاد المسلمين شيء البتة بعد أن يحتلوا أفغانستان ويتجاوزوها إلى منابع النفط، ولو قعد كل المجاهدين بهذه الذريعة لما تأخرت أمريكا في احتلال بلاد المسلمين جميعها، ولما تأخر اليهود في الانتشار ما بين الفرات والنيل وإقامة دولتهم المزعومة في تلك المنطقة.
لماذا؟ لأن الجميع سيقعد في بيته خوفًا من الأسر، ولأن الجهاد سيقف وقوفًا تامًّا: لأن المدرِّب والمتدرب، وصانع السلاح والمهرِّب، والمُقاتل المناضل: جميعهم يخشون الأسر كما يخشاه هذا القاعد.
وهذا العذر من سنة المنافقين الذين ذكر الله عنهم: (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) فرارًا من حكم الله عز وجل ومما في الجهاد من أسر وجراحة وقتل.
أما الذي يعتذر بالخوف من أن يؤسرَ ثم يُفتن في دينه، فلا فرق بينه وبين المنافق الذي قال الله عنه: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) .
وأبشروا فالنصر قادم، والفتح قريب، والفرج قاب قوسين أو أدنى -بإذن الله عز وجل- وسيُنجي الله إخواننا الأسرى، ويمنّ عليهم بالخروج سالمين غانمين إن شاء الله، ولكل أزمةٍ فرج، ولكل مكروبٍ نفَس، ولكل ضائقة متّسع:
ولربّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ... ذرعًا وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلمَّا استحكمت حلقاتُها ... فُرجت وكنتُ أظنُّها لا تُفرجُ
والله غالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون.