فهرس الكتاب
يقول الأخ علي: رتبت زيارة للأخ أبي مصعب، صليت الجمعة وذهبت إليه بدون أن يعلم، ولما دخلت البيت استقبلني أخوه، فسألته عن أبي مصعب، فأخبرني بأنه نائم، فقلت له: لا توقظه أنت، دعني أوقظه أنا، يقول: دخلت عليه غرفته وهو نائم ووجهه جهة الجدار، وناديته: يا أبا مصعب، يا أبا مصعب، وهو يقول: نعم نعم، ولم ينظر من المنادي، ثم كأنه أحس بأن الصوت ليس صوت أحد إخوانه، واستغرب هذه الكنية التي لم يعد أحد يناديه بها، فالتفت فجأة وفور ما رآني عانقني وكان خجلًا جدًا، سألته: كيف حالك، يقول: فكان يتكلم معي خافضًا عينيه إلى الأرض، وقال: الحمد لله، سألته: هل صليت الفجر؟! قال: لا، صليت الظهر؟ قال: لا، قلت له: قم صل الآن جزاك الله خيرًا، فقام وصلى وذهبت وجلست مع إخوانه قليلًا حتى جاء، خرجت معه بعد العصر وقلت له: هل أنت مشغول؟! قال: لا، قلت له: أريدك أن توصلني إلى مكان قريب، يقول علي - ولم أرغب أن أكلمه أمام إخوانه - وفي السيارة كلمته ووعظته فتأثر وقال: لابد من النفير إلى الجهاد، أنا لا أرتاح إلا في ساحات الجهاد، قلت له: هل أنت صادق؟ قال: نعم، قلت له: اصدق مع الله يا أبا مصعب والله يصدقك إن شاء الله، يقول: فذهبنا إلى أحد الإخوة المنسقين فجهزوا لنا جوازيَّ سفر، فحدث أن تعثر الأخ أبو مصعب عند معبر الخروج ولم يستطع المرور، وأما أنا فقد تيسر مروري بحمد الله، فاتصلت عليه بعد وصولي وعلمت منه أنه لم يرجع إلى بيته بل ذهب إلى بيت الأخ المنسق وسكن عنده وكان يبكي ويقول: ما ردني عن الجهاد إلا ذنوبي، وكان يبكي ويتضرع إلى الله حتى أكرمه الله بالخروج، ثم أكرمه بنيل الشهادة في أفغانستان - نحسبه كذلك والله حسيبه فرحم الله أبا عبد الله وتقبله في الشهداء وجمعنا به في جنة الفردوس.
[1] [نسأل الله أن يتقبلهم جميعًا في الشهداء - صوت الجهاد]
الدُرر من الدُرر
قال الشيخ إبراهيم وعبد الله وعلي أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى:
فإذا قام المسلمون بما أمرهم الله به من جهاد عدوهم، بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم ولا يركنوا إليها، فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين ووهنهم عن لقاء العدو، لأن الله تبارك وتعالى أمر بفعل السبب، وأن لا يتوكل إلاَّ على الله وحده، قال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقال تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ) ، وقال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) .
فإذا فعل المسلمون ما أمرهم الله به، وتوكلوا على الله، وحققوا توكله، نصرهم الله وأمدهم بالملائكة، كما هي عادته مع عباده المؤمنين في كُل زمان ومكان، قال الله تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) وقال تعالى: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) .
الدرر السنية 8/ 7