فهرس الكتاب
بقلم الشيخ: عبد الله بن ناصر الرشيد
شرعَ الله الجهاد لمقاصِدَ عدَّةٍ، ذكر كثيرًا منها في كتابه، وفعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويجملها العلماء غالبًا في نوعين للجهاد:
الأوَّل: جهاد الدَّفع، وهو أوَّل جهادٍ شُرع، حين (أُذن للّذين يُقاتلون بأنَّهم ظلموا) ، والمراد به دفع شرِّ العدوِّ الكافر عن المسلمين، ومن شرِّه أن يحكمهم ولو حكم بقسطٍ في دينه، لأنَّ الخير في حكم الله لا غير، (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) ، ومن شرِّه أن يستولي على شيءٍ من أرضِ المسلمين ولو لم يكن فيها أحدٌ.
الثاني: جهاد الطلب، وهو تطلُّب العدوِّ بالقتال دعوةً له إلى الإسلام، فيعرض عليه الإسلام، أو الجزية أو السيف.
وهناك مقاصدُ أُخرى للجهاد لا تدخل في هذا ولا هذا، وإيراداتٌ على التّقسيم، ليس هذا المختصر محلَّ بسطها، وقد تقدَّم ذكر شيءٍ منها.
إلاَّ أنَّ من المهمِّ التنبيه على غلط من يظنُّ جهاد الكُفَّار المحتلِّين لبلاد المسلمين جهاد طلب، سواء كان هذا المحتلُّ أجنبيًّا كالأمريكيِّ، أو وطنيًّا من بني جلدتنا ويتكلّم بلساننا، ولا دليل من الكتاب والسنة ولا من آثار الصحابة أو أقوال الفقهاء، ولا مما هو دون ذلك على التفريق بين كافر وطني وكافر أجنبيٍّ، والعلَّة في جهاد الطلب دعوة الناس إلى الإسلام، أمَّا قتال الكفَّار اليوم فالمراد منه المقصود به دفعهم عن المسلمين وبلاد الإسلام، سواءٌ في ذلك الأجنبيٌّ، والمرتدُّ الوطنيُّ.
وجهاد الدَّفع من أوجب الواجبات، وهو فرضُ عينٍ على من نزل العدوُّ بساحتهم، فرضُ كفايةٍ على عموم المسلمين، ولا شكَّ ولا ريبَ أنَّ جهاد الدفع اليوم متعيِّنٌ على المسلمين من جهة عدم حصول الكفاية في غير موضعٍ، بل من المواضع التي يجب فيها الجهاد ما لم يقم الجهاد فيه أصلًا، فضلًا عن حصول الكفاية.
وجهاد الدَّفعِ في الشَّهرِ الحرام واجبٌ أشدَّ ما يكون الوجوب، دلَّ على ذلك أدلَّة، نذكر منها:
الأوَّل: جميع ما تقدَّم من أدلَّة المعاملة بالمثل؛ فإذا كان عدوانهم علينا في شهرٍ حرامٍ مجوِّزًا لنا أن نقاتلهم في شهرٍ حرامٍ آخر، فتجويزه ردَّ عدوانهم نفسه في وقت عدوانهم أولى بيقينٍ.
الثاني: ما صحَّ عن النّبيِّ صلى الله عليه وسلَّم، من أخذه بيعة الرضوان حين بايع الصحابة على الموتِ لمَّا بلغه مقتل عثمانَ بن عفَّانَ رضي الله عنه وأرضاه، وقد كان ذلك في شهرِ ذي القعدة، وهو شهرٌ حرامٌ، وهذا من أظهر الأدلَّةِ وأصحِّها.
وهذا ليس من جهاد الدفع، لأنَّ ما بلغهم لم يكن حصر عثمان أو قتالهم معه، بل بلغهم أنَّه قُتل، وقتالهم لأجل ذلك يكون من المعاملة بالمثل، وهذا دالٌّ بالأولى على الطلب كما ذكرنا.
وأما كون بيعة الرضوان في ذي القعدة فقد قال أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلّهنَّ في ذي القعدة، إلاَّ التي كانت مع حجّته، عمرة من الحديبية في ذي القعدة، فذكر الحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
الثالث: الإجماعُ على أن التحريم في الشهر الحرام لا يتناول جهاد الدفع، قال ابن القيّم في زاد المعاد: ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يُقاتل فيه ابتداءً.
الرابع: اجتماع المقاصد الشرعيَّة والقواعد الفقهيَّة، على دفع العدوِّ الصائل في أيِّ وقتٍ كان أو مكانٍ، وعدم تركه يعيث في الأرض فسادًا حتّى تنسلخ الأشهر الحرم، يوضّحه: