الصفحة 1093 من 1360

الخامس: أنَّ الشَّارع شرع صلاة الخوف الّتي غُيّرت فيها هيئات الصلاة، وقصرت على الصحيح من القولين، وسقطت بعض الأركان في عدد من صفاتها، وسقط شرط استقبال القبلة في بعض الصفات، كلُّ هذا لكي لا يتمكّن العدوُّ من المسلمين في وقت الصلاة على قصره، فكيف يُترك العدوُّ أربعةَ أشهرٍ من كلِّ عامٍ لا يُدفع شرُّه ولا يُقاوم عدوانُه، مع كونه في هذه الأشهر مجلبًا بخيله ورجله، مستنفرًا جيوشه وقواته؟

السَّادس: أنَّ العهود أيًّا كانت، وكان تغليظُها، تنتقضُ بالعدوان، فكيف لا تنتقض حرمة الشهر الحرام في حقِّ المعتدي؟

السابع: أنَّ تحريم الشهر الحرام إمَّا أن يكون لحقِّ الله، وإمَّا أن يكون لحقِّ المخلوق، فحقُّ المخلوق ينتقض بعدوانه، وحقُّ الله في النفوس والبلاد والأعراض المعتدى عليها أعظم منه في الشهر الحرام، فكانت مدافعة العدوِّ حفظًا لحقِّ الله لا انتهاكًا له.

الثَّامن: أنَّ الفطر السويَّة، والطباع المستقيمة، والعقول السليمة، تعلم يقينًا، أنَّه لا يأتي دينٌ من الأديان بترك العدوِّ الصائل يفسد في البلاد رعايةً لحرمة زمانٍ لم يحترمه العدوُّ أصلًا.

التاسع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الحديبية كان خروجه في ذي القعدة، ولما بلغه خبر من أرادوا صده عن البيت قال: "ألا ترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين يُريدون أن يصدُّونا عن البيت، فإن يأتوا يكن الله قطع عنا عينًا من المشركين، وإن قعدوا قعدوا محروبين"، والأظهر أن هذا في ذي القعدة.

وقد استباح النبي صلى الله عليه وسلم قتالهم لإرادتهم صدَّه صلى الله عليه وسلم عن البيت، فكيف بمن صدَّ حقيقةً؟ وكيف بمن قاتل المسلمين في ديارهم واستباح حرماتهم؟

العاشر: أنَّ الله سبحانه حرَّم البيت الحرام، وجعل له حرمةً في الأمكنة كحرمة الشهر الحرام في الأزمنة، وأباح تلك الحرمة إذا ابتدأ المشركون المسلمين بالقتال، فقال: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) ، فكذلك حرمة الشهر الحرام، يُنهى عن قتالهم حتى يُقاتلونا فيه فإن قاتلونا قاتلناهم.

وجهاد المجاهدين اليوم كله من جهاد الدفع، سواء كان قتالًا للمحتل الكافر الأصليِّ، كما في أكثر البلاد، أو للطواغيت المرتدِّين وطوائفهم كما في الجهاد الجزائريِّ المُبارك وقتال المرتدِّين كما قُرِّر في غير موضع من جهاد الدفع لا من جهاد الطلب.

الحادي عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حرمة دم المسلم كحرمة الزمان مع حرمة المكان مجتمعتين فدل على أن حرمة الدم أغلظ ومع ذلك سقطت الحرمة لمصلحة الدفع كما في التترس فكيف بحرمة الزمان وهي أقل.

خاتمة: غزوات المسلمين في الأشهر الحرم

لم يزل المسلمون على مر التاريخ يُقاتلون أعداءهم في الأشهر الحرم وغيرِها.

وكانت غزوة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الطائف، والسرية التي أرسلها إلى أوطاس في الأشهر الحرم كما تقدَّم.

واستمرَّ المسلمون بعده على هذا، وكثيرٌ من غزواتِهِم صادفت الأشهر الحرم، فكلُّ غزاةٍ دامت أكثر من خمسة أشهر فقد وافقت شهرًا حرامًا ولا بدَّ، لأنَّ ذلك أكثر ما يكون من أشهر حلٍّ ليس بينها شهر حرام.

وحروب الصديق رضي الله عنه للمرتدِّين وافقت الأشهر الحرم ولا بدّ، لأنَّها دامت نحو العام أو أكثر، وموت النبي صلى الله عليه وسلم كان في شهر ربيع الأول، ولم يستأن الصديق بإخراج الجيوش لقتال المرتدّين ولا بإنفاذ بعث أسامة، وليس دون رجب إلا ثلاثة أشهرٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت