فهرس الكتاب
الأمر الأوَّل: انتظار هبوب الرياح، قال ابن حجر في الفائدة من هبوب الرياح: (فيحصل بها تبريد حدة السلاح والحرب وزيادة في النشاط) ، وهذا ظاهرٌ في السلاح القديم والحديثِ، فإنَّ الحديد يصلبُ ويشتدُّ كلَّما برد ويلينُ في الحرارةِ، والسيوف من الحديدِ، وأسلحة هذا العصر غالبها من الحديد الذي جعل الله فيه بأسًا شديدًا ولا تقوم الحروب إلاَّ به، والسيوفُ تزداد حرارتها في الحرب بسبب ما يولِّده الضربُ من الحرارة الناشئة عن الاحتكاك، والأسلحة الحديثةُ تزداد حرارتها بسبب الانفجار الذي يقعُ فيها عند إطلاق مقذوفاتها على اختلاف أنواعها، فكان الأفضل أن يُختار الوقتُ الأقلُّ حرًّا للقتال بها لئلاَّ تزداد حرارة الجوِّ إلى ما فيها من حرارةٍ، فإن قُدِّمت المعركة على الزوال اشتدّت حرارة الأسلحة وتلفت أو لم يُنتفع بها كمال الانتفاع، وإن أُخِّرت عن الزوال إلى العصر لم يبق وقتٌ للمعركة من النهار، وكانوا لا يُقاتلون في الليل عند المصافَّة وإنَّما يُبيّتون العدوَّ ليلًا وهو غارٌّ.
ومُقتضى التعليل بهذه العلَّة وحدها أن يُفضَّل تأخير المعارك في هذا الوقت عن الزوال إلى آخر العصر أو إلى المغرب ليكون أبرد للأسلحة، أمَّا ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ذلك في حروبهم فلوجود المانع وهو العجز عن القتال في الليل وهذا المانع منتفٍ في العصور الحديثة.
وقد ذكر ابن حجر وجهًا آخر في فائدة هبوب الرياح، وهو أنَّ المسلمين نُصروا يوم الخندق بالريح فصار مظنَّةً للنصر، قلتُ: وهو ظاهر ما في رواية قتادة عن النعمان بن مقرِّن - وهي منقطعةٌ - حيث قال: وكان يُقال: عند ذلك تهيجُ رياح النصر، فكأنَّ تلك الريح علامةٌ على النَّصر والله أعلم.
الأمر الثاني: حضور الصلوات، وما فيها من دعاء المسلمين في صلواتهم للمجاهدين، كما جاء في حديث قتادة عن النعمان: وكان يُقال: عند ذلك تهيجُ رياح النصر ويدعو المُؤمنون لجيوشهم في صلاتِهم، وبذلك أخذ صلاح الدين حين أخَّر معركة حطّين إلى وقت خطبة الجمعة ليُوافق دعوات المسلمين في الجُمعة لهم، وكل ذلك من أسباب النصر.
فينبغي للمسلم إذا علم أنَّ المجاهدين ربَّما تحرَّوا وقت دعائه لهم أن لا يترك الدعاء للمجاهدين في كلِّ مكانٍ.
الأمر الثالث: نزول النصر، وهذا منصوص حديث معقل بن يسار عن النعمان بن مقرّن، وقيل في هبوب الرياح إنَّه أمارةٌ عليه كما تقدَّم.
وبهذا يثبُت استحباب وقت ما بعد الزوال مطلقًا، لأنَّه عُلِّل بعلل بعضها معقولٌ وبعضها غيبيٌّ لا يُعلم حصوله في غير ذلك الوقتِ، والأولى للمجاهدين تحرِّي هذا الوقت ما استطاعوا حيثُ لم يكن فيه ضرر، لما فيه من أسباب النصر وعوامل القوَّة، والله أعلم.
الوقتُ الثالث: الليل وهو وقتُ البياتِ، وقد جاء في البياتِ نصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات، وقال: لا نعلم أحدًا كره البيات. انتهى، وإنَّما يكون لقومٍ بلغتهم الدعوةُ أو بعد الحكم ببلوغ الدعوة لأمَّة من الأمم أو بلد من البلاد كما حُكم ببلوغها الروم والفرس في صدر الإسلام، وسُئل صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار يُبيّتون فيُصاب من نسائهم وذراريهم فأذن بذلك، وذلك منه صلى الله عليه وسلم ترجيحٌ لمصلحةِ البياتِ وإدراك غِرَّة المشركين على مفسدة قتل النساء والأطفال والذرية ممن لا يحلُّ إفراده بالقتل.