الصفحة 1116 من 1360

الوقتُ الأوَّل: بعد الفجر؛ جاء عند البخاري ومسلم في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إذا غزا قومًا لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار بعد ما يصبح، وهذا إنَّما كان منه صلى الله عليه وسلَّم تبيُّنًا لئلاَّ يغزو أهل بلدٍ من المسلمين، فيكون اختيار هذا الوقتِ لهذه العلَّة لا مطلقًا، ولما غزا صلى الله عليه وسلم يهود خيبر غزاهم صباحًا وقال: إنَّا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساء صباحُ المنذَرين.

وهل هذا الوقتُ قبل أن تطلع الشمسُ أم بعدها؟ جاء في بعض روايات حديثِ النُّعمان الآتي: "غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قاتل" لكنَّ الحديث ضعيفٌ، والروايات الصحيحة لحديث النعمان مجملةٌ ليس فيها هذا.

وقوله في هذا الحديثِ: "إذا غزا قومًا لم يغر حتى يصبح ... وإن لم يسمع أذانًا أغار بعد ما يُصبح" ظاهره أن الإصباح الذي ينتظره هو الإصباح الَّذي يُغير بعده، وهو أول وقت الفجر والوقتُ الَّذي يُسمع فيه الأذان.

ومما يدلُّ على فضل هذا الوقتِ في الخروج للسفر، ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من حديث صخر بن وداعة الغامديّ: "بُورك لأمَّتي في بكورها"، والبُكور الخروج بكرةً وهو أوَّلُ النَّهار، وفي بعض الأحاديث: "بُورك لأمَّتي في بكورها يوم الخميس"، فجمعَ الوقتينِ: الصباحَ والخميس، ولكنَّه واهٍ لا يصحُّ.

ومن دليل هذا الوقتِ ما يأتي في الوقتِ الثاني:

الوقتُ الثاني: بعد زوال الشمسِ؛ أخرج البخاريُّ من حديث جُبير بن حيَّة عن النعمان بن مقرِّن رضي الله عنه: "ولكني شهدت القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا لم يقاتل في أول النهار، انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات"، وقوله "وتحضر الصلوات" دليل على أنَّه ينتظر إلى زوال الشمس، لأنَّ الصلوات بعد أول النهار لا تحضر إلا بعد زوال الشمس فتحضر الظهر ثمَّ العصر ثم المغرب ثم العشاء، وهذا ما جاء به مصرّحًا في روايةِ معقل بن يسار عن النعمان بن مقرّن عند الترمذي: "إذا لم يُقاتل أول النهار أخَّر القتال حتَّى تزول الشمس"، كما أنَّ في هذا الحديث الدلالة على الوقتِ الأوَّل المذكور قبل هذا الوقت وهو أوَّل النهار.

وخرَّج البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى في كتابٍ كتبه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس خطيبًا قال: "أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأهزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم".

وفي انتظاره حتَّى مالت الشمس دليلٌ على تحرِّيه هذا الوقت، وبوَّب عليه البخاري بلفظ حديث النعمان بن مقرن فقال: (باب: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخَّر القتال حتى تزول الشمس) ، وفي بعض ألفاظ حديث ابن أبي أوفى: أنه كان صلى الله عليه وسلم يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس، وهذا صريحٌ في المقصود.

والحكمةُ في اختيار هذا الوقتِ ثلاثة أمور منصوصٌ عليها في حديثي ابن أبي أوفى والنعمان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت