فهرس الكتاب
بقلم: أبي اليمان عبد الله بن عثمان المذحجي
عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قال "لقيت عمي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجلٍ نكح - وفي لفظٍ - تزوج امرأة أبيه أن اضرب عنقه وخذ ماله" وفي روايةٍ "وخمّس ماله" رواه أصحاب السنن بألفاظٍ متقاربةٍ فرواه النسائي (2/ 85) والترمذي (1/ 255) وابن ماجه (2607) وأبو داود (4457) والحاكم (2/ 191) وقال: صحيحٌ على شرط مسلمٍ ووافقه الذهبي, وصححه ابن حزمٍ في المحلى (12/ 204) وابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود ونقل في زاد المعاد (5/ 14) عن ابن معين أنه قال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
وصححه الإمام محمد بن عبدالوهاب كما في الدرر السنية (10/ 67) وجعله من أحسن ما يزيل الإشكال في مسألة تكفير الموحد إذا أشرك بالله ولم ينكر جميع الإسلام, كما في مجموع مؤلفاته (6/ 214) .
أما الكلام على فقه الحديث وهو المقصود هنا فقال الإمام أحمد في مسائله رواية عبد الله (3/ 1085) : "نرى والله أعلم أن ذلك منه على الاستحلال فأمر بقتله بمنزلة المرتد وأخذ ماله" قال: وكذلك المرتد لا يرثه أهله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ا. هـ.
وقال ابن جرير في تفسيره في قوله تعالى (وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء) الآية (آل عمران 22) : "إعلانه عقد النكاح على من حرم الله عليه عقده عليه بنص كتابه الذي لاشبهة في تحريمها عليه وهو حاضِره فكان فعله ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه به عن الله تعالى ذكره .. فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وضرب عنقه لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام" ا. هـ
وقال الطحاوي في شرح المعاني (3/ 148) : "فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين بأخذ مال المتزوج وتخميسه دل ذلك على أن المتزوج كان بتزوجه مرتدًا محاربًا فوجب أن يقتل لردته" ا. هـ
وقال ابن تيمية في الفتاوى (20/ 90) : "إن تخميس ماله دل على أنه كان كافرًا لا فاسقًا وكفره بأنه لم يحرّم ماحرم الله ورسوله" ا. هـ
وقال ابن كثيرٍ في تفسيره في سورة النساء: "فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئًا لبيت المال" ا. هـ
والحديث رواه أحمد في مسنده (4/ 292) وزاد "فما سألوه ولا كلموه" فدل على أنهم لم يسألوه هل تزوجها معتقدا ًحلً ذلك أم غير معتقدٍ, وهذا الحديث فيه فوائدٌ:
الأولى: أن لسان الحال أنطق من لسان المقال.
الثانية: أن الجحود أو الاستحلال قد يظهر في عملٍ من الأعمال وهذا كفر ردٍ وإباءٍ فليس الجحود أو الاستحلال القلبي واقعًا بنطق اللسان فقط فصحّ أن الاستحلال قد يظهر في عملٍ من الأعمال.
الثالثة: أن ذلك الرجل قتله النبي صلى الله عليه وسلم ردةً من وجوهٍ:
أحدها: قوله (وخمّس ماله) ولا يخمّس إلا مال الكافر.
الثاني: قوله (نكح وتزوج) والزواج استحلالٌ ظاهرٌ فلم يقل (زنى) .
الثالث: أنه عقد لقاتله رايةً ولم تكن تعقد إلا للكفار.
الرابع: لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه وإنما أمر بقتله فدل على أن ذلك القتل ليس بحدٍ للزنا بل لأجل الردة.
الخامس: ليس في الحديث أمرهم بالصلاة عليه أو أنهم صلوا عليه, وبهذا يتبين الرد على من زعم أن ذلك القتيل ليس بمرتدٍ.
الفائدة الرابعة: أن من عَقَد عَقْد زواجٍ على أمه أو أخته أو ابنته أنه مرتدٌ بمجرد هذا الفعل باستحلاله بفعله ماحرّم الله عليه.