الصفحة 1136 من 1360

إذا علمت فضل الله عليك فازدد لله شكرًا بكثرة دعائه، لأن دعاء الله من أعظم العبادات وأفضلها كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، أخرج الحاكم وصححه أن ابن عباس رضي الله عنه قال: (أفضل العبادة الدعاء) وقرأ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) . وروى أحمد في الزهد عن مطرف قال: (تذكرت ما جماع الخير فإذا الخير كثير فالصلاة والصيام وإذا هو في يد الله تعالى، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك) فتبين أن الدعاء من أجل العبادات وأكرمها على الله.

فيا أهل الجهاد عليكم بالإلحاح على الله في الدعاء ورفع أكف الضراعة، فإن الدعاء من أعظم ما يجلبُ به النعماء ويدفع به الضراء، لأن الله وحده مالك الضر والنفع، الكاشف للضراء الجالب للسراء، المتصرف في خلقه كيف يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وهو على كل شيء قدير. قال الله تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ) وقال (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الآية، وهذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده هو المستحق للعبادة، ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دبر كل صلاة: (اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

وكان يقول ذلك إذا رفع من الركوع كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: (ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وكذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وهذا الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس حين قال له: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه أحمد والترمذي وصححه.

قال ابن رجب رحمه الله: (واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة؛ علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه وإفراده بالطاعة وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا ممن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غير الله؛ أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعًا وأن يتقي سخطه ولو كان في سخط الخلق جميعًا، ثم قال: وما أحسن قول بعضهم:

فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب

فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب تراب، فكيف يقدم على طاعة شيء من التراب على طاعة رب الأرباب؟؟ أم كيف يرضي التراب بسخط الملك الوهاب؟؟ إن هذا لشيء عجاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت