ألا يعلق دعاءه بالمشيئة، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء ولا يقل إن شئت فأعطني فإن الله لا مستكره له) متفق عليه، ولهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء، لا مكره له) فدلت هذه النصوص على وجوب العزم في المسألة وتحريم تعليق ذلك بالمشيئة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه. قال سفيان ابن عيينة رحمه الله: (لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه - أي من التقصير - فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال:(رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ) .
وكذلك هناك أمور تكره في الدعاء، منها:
السجع وهو موالاة الكلام على رويٍّ واحد، قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب ما يكره في السجع في الدعاء، ثم ذكر قول ابن عباس لعكرمة: (فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلاّ ذلك الاجتناب) واعلم أن المكروه في السجع هو المتكلف لأنه لا يلائم حضور القلب والتذلل والضراعة.
ويكره الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلًا من المسلمين قد خَفَتَ فصار مثل الفَرْخ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟) قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله! لا تطيقه، أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) قال: فدعا الله له فشفاه.
ويكره الاعتداء في الدعاء ورفع الصوت لقول الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) روى أحمد وأبو داود بإسناد جيد أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سمع ابنه وهو يقول: (اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا) فقال: (يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(سيكون قوم يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر ) ) زاد أحمد (قال له سعد قل: اللهم أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل) وكذا جاء عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه.
وأما رفع الصوت فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبا فإنما تدعون سميعا بصيرا) متفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه.
قال الحسن البصري رحمه الله: (إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول:(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا رضي فعله فقال: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا) .