فهرس الكتاب
كتبها الشيخ: يوسف بن صالح العييري رحمه الله
كل من يقرأ معاني النصر التي قدمنا ذكرها - في العدد السابق - يتبادر إلى ذهنه سؤال مفاده:
إذا كان قتل الكافر للمسلم لا يعد هزيمة بل يعد نصرًا للمسلم، فما هي الصفة التي نستطيع أن نطلق على المتصف بها من المسلمين بأنه هزم في المعركة؟
وفي الحقيقة أن الجواب على هذا السؤال يطول، إلا أننا سنطرح في هذه الحلقة بعضًا من معاني الهزيمة ليتضح للقارئ معنى هزيمة المسلم وأنها ليست بقتله، بل هي بأمر آخر ولو بقي حيًا كريمًا مسودًا.
وتأكيدًا على أهم معاني الهزيمة نقول:
إن الصراع المتمثل بين البشر على هذه البسيطة، إنما هو صراع مبادئ ترجمته الشعوب إلى صراع أبدان، وخاصة بين المسلمين ومن سواهم من الكافرين، إضافة على ذلك فقد جاء صراع الأبدان أمرًا من الله لنا، فبما أن أصل الصراع هو صراع مبدأ وصراع عقيدة، فبالتأكيد فإن التنازل عن هذه المبادئ والمعتقدات يعد هزيمة ولو بقيت الأبدان، فلا فائدة من وجودها حينما عدم المبدأ والمعتقد.
معاني الهزيمة:
وأول معاني الهزيمة: اتباع ملة الكافرين أو أهوائهم:
قوله تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) .
وقال تعالى في الآية الأخرى (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) .
فعندما يرتد المسلم على عقبيه ويعلن اتباعه لملة اليهود والنصارى أو أية ملة كفرية أخرى من علمانية أو بعثية أو شيوعية أو حداثية، سواء كان هذا الاتباع كليًا أو جزئيًا، فإن هذا يعد أعلى أنواع الهزيمة، حتى لو حقق المتبع رضا اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر، وحقق من الثراء والرياسة والقيادة مالم يتحقق له بعدم اتباعه لملتهم.
واتباع الملة ليس شرطًا أن يكون من خلال إعلان المرتد بلسانه بأنه على ملتهم فهذا يندر وجوده في التاريخ، ولو قُصر اتباع الملة على الإعلان باللسان لما استطعنا وصف المنافقين بأنهم اتبعوا ملة الكافرين.
ويُبطِل اشتراط إعلان اتباع ملة الكافرين باللسان، تعريف أهل السنة لمسمى الإيمان حيث قالوا خلافًا لكل المبتدعة بأن الإيمان هو قول وعمل أي قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، فاتباع ملة الكفار يكون بالقول وحده أو بالعمل وحده أو بالاعتقاد وحده، فلا ترابط بينها البتة، ولم يشترط الاعتقاد في قول الكفر أو عمل الكفر إلا أهل البدع من مرجئة جهمية وغيرهم.
والحاصل فإن اتباع ملة اليهود والنصارى تكون بالقول أو العمل أو الاعتقاد، وحينما نستصحب هذا التوصيف فما أكثر المهزومين من أبناء المسلمين، لا سيما أمام هذه الحملة الصليبية الشرسة.
يقول ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره 1/ 565 على قوله تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى .. ) الآية: (ليست اليهود - يا محمد - ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق؛ فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم) .