المحرمات في القتال الذرية (1/ 2)
بقلم الشيخ: عبد الله بن ناصر الرشيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فإنَّ مما استُثني من أصل إباحة دماء الكفَّار: الذرية وهم النساء والأطفال وفي حكمهم المجنون، وقيل بإلحاق غيرهم بهم، واستثناؤهم ليس استثناء عصمة بل هو حرمة القتل فحسب؛ ولذا جاز الاسترقاق ولم يجب على القاتل ديةٌ على الصحيح، فذراري المشركين أدنى المحرَّمات مرتبة وأخفُّها حرمةً على ما تقدَّم في العدد الرابع عشر من هذه المجلة المباركة بشيء من التفصيل.
والذُّرية: هم النساء مطلقًا، وكل من لم يبلغ من الأطفال، والمجانين حال جنونهم وكل من لا عقل له، والخُنثى المُشكل ويُراد به من خلق خُنثى لا المخنثون الذين يتعاطون الهرمونات وما أشبه ذلك، وهذا القدر مُتَّفقٌ عليه في الذرية المعصومة دماؤهم، لما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان، والمجنون في حكم الصبي لانعدام التكليف الَّذي هو مُتعلَّقُ الأحكام.
ويحرم قتل العبد عن الحنابلة والشافعية والحنفية والمالكية لأنَّه مالٌ صالحٌ ولو كان كافرًا فلا يجوز إتلافه على المسلمين، ولأنَّه ليس من أهل الحرب، وقد قدَّمنا في بعض المقالات الإشارة إلى أنَّ العبد كثيرًا ما يُلحق في أحكامه بالأموال وتكون أحكام الماليَّة أغلب في حقِّه من أحكام الإنسانية والله أعلم.
واختُلف فيمن يُلحق بهم، ومجمل من قيل بإلحاقه بالذرية أربعة أصناف:
الأوَّل: من لا يُطيق القِتال كالشُّيوخ، وأُخذ هذا مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن قتل الشيوخ، وكلُّها أحاديثُ ضعيفةٌ، ومما رُوي عن أبي بكر في وصيته المشهورة ولم يثبت، وما جاء عن ابن عبَّاس من رواية علي بن أبي طلحة عنه في تفسير قوله تعالى: (وَلا تَعْتَدُوا) ، قال لا تقتلوا النساء والأطفال ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى إليكم السلم وكفَّ يده. يعني بمن ألقى السلم وكفَّ يده من أعطى الجزيةَ وسالم المسلمين وترك القتال ودخل في حكم أهل الإسلام، كقوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) ، وهذا الإسناد إلى ابن عباس منقطعٌ لم يسمع علي بن أبي طلحة من ابن عباس، ولكنها نسخة تُلقِّيت بالقبول واعتمدها عدد من الحفَّاظ كالبخاري في صحيحه، وقال ابن حجر: كان يحتجُّ بها البخاري وأبو حاتم، وقال عنها أحمد بن حنبل: بمصر نسخة لو رحل إليها إنسان قاصدًا لما كان كثيرًا، يرويها عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، أو نحو هذه العبارة، ذكره ابن النحاس في الناسخ والمنسوخ وذكر الميموني عن أحمد أنَّه قال في علي بن أبي طلحة: له أشياء منكرات، وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث، وقال مرة: ليس هو بمتروك ولا هو حجة، وقال أبو داوم: مستقيم الحديث، وذمَّه جماعة في مذهبه، والقرب فيه أنَّه حسن الحديث أمَّا الانقطاع فقد ذكر جماعة أنَّ بينهما مجاهدًا، وأكثر البخاري من تخريج أحاديثه في التفسير معلَّقة مجزومًا بها فيقول: قال ابن عبَّاس كذا، ومعلومٌ تشدُّد البخاري في الاتصال، فتكون كرواية سعيد بن المسيب عن عمر وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، مما يقبله أهل العلم بالحديث وإن كان منقطعًا، أما عبد الله بن صالح فما رواه عنه الحفاظ أجود مما رواه غيرهم وهذه النسخة التي رواها بهذا الإسناد رواها عنه جمع من الحفاظ منهم أبو حاتم الرازي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وجماعة آخرون، فالأقرب في هذا الإسناد أنَّه حسنٌ.