الصفحة 1216 من 1360

وذهب الشافعيَّة وابن حزم إلى إباحة دماء الشيوخ لظاهر حديث الحسن عن سمرة بن جندب: "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم"، والحديث ضعيفٌ، ولقتل سريَّة أوطاسٍ دُريد بن الصمة وكان شيخًا كبيرًا، وهذا لا يقوم الاستدلال به لأنَّ دريد بن الصمة خرج مع الجيش المُقاتل وأعان برأيه فمثله لا يُختلف في قتله كالمرأة إن قاتلت.

وهذا هو الراجح والله أعلم؛ فإنَّ كلَّ قومٍ قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعده كان فيهم شيوخ ولم يثبت في النهي عن قتلهم شيء، وأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف على من جرت عليه الموسى من بني قريظة ولم ينجُ من السيف إلاَّ من أسلم أو كان دون البلوغ، فلو استثنى الشيوخ مع من استثنى لنُقل ذلك بل جاء عند الشيخين من حديث ابن عمر في خبرهم: "فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأموالهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلاَّ بعضهم لحقوا بالنبي فآمنهم صلى الله عليه وسلم وأسلموا"، فلم يذكر فيمن أُبقي إلاَّ النساء والأموال والأولاد، ولا استثنى ممن قُتل إلاَّ من أسلم ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ويدلُّ على ذلك أنَّ الذرية من النساء والأطفال منهيٌّ عن قتلهم لأنَّهم أموالٌ للمسلمين مع رجاء إسلامهم، أمَّا الشيوخ فهم باقون على الأصل من إباحة الدم كما دلَّت على ذلك العمومات الآمرة بقتل المشركين، والمتقرر من الأحاديث والآيات في أنَّ عصمة الدم إنَّما تكون بالإسلام وحده، أو بالعهد والأمان والذمة، فما عدا ذلك لم يثبت فيه إلاَّ استثناء الأموال ومنها النساء والأطفال، أمَّا أثر ابن عباس فلو جاء مرفوعًا لم يُحتمل هذا الحكم بهذا الإسناد فكيف وهو موقوفٌ؟

وعلى هذه الأدلَّة اعتمد الشافعية في قولهم إنَّ علة القتل هي الكفر وحده، ويجعلون الذرية مستثنينَ من الحكم وإن كان الأصل دخولهم فيه، أمَّا العقل فهو شرطٌ لأنَّ المجنون الذي لا يُفيق لا يقع منه كفر ولا إيمان وإنَّما يُحكم له بالكفر استصحابًا لما كان عليه قبل جنونه، فهو كالطفل إذ يحكم عليه بالكفر تبعًا لأبويه والدار.

وقد أُلحق بالشيوخ الأعمى ومقطوع اليدين ومقطوع اليمنى إن كان لا يستطيع القتال بيُسراه ونحوهم ممن لا يستطيع القتال ببدنه، فحيث أدخلنا القدرة على القتال دخل هؤلاء فيمن لا يستطيع القتال، وحيثُ جعلنا العلَّة الكفر وحده إلاَّ ما استُثني أُبيحت دماء هؤلاء لعدم الدليل على استثنائهم، وهو الراجح كما تقدَّم.

أمَّا من كان من هؤلاء ذا رأي في الحرب أو حضرها وحرَّض عليها فلا يدخل فيه الخلاف بل هو مباح الدم اتّفاقًا كالمرأة وأولى، والعلَّة في استثناء هؤلاء عند من استثناهم عدم قدرتهم على القتال فلو كان شيخٌ أو أبترُ ونحوهم قادرًا على القتال أُبيح دمه كغيره من القادرين بمقتضى هذا القول في الأظهر، إلاَّ أنَّ بعض الفقهاء تمسَّك ببعض ظواهر النصوص التي نصت على الشيوخ ونحو ذلك.

الثاني: من ليس من شأنه القتال؛ والفرق بينه وبين الأوَّل أنَّ هذا القسم قادرٌ ببدنه على القتال ولكنَّه لا يُعانيه ولا يجعله له شأنًا، وهؤلاء قسمان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت