من لا يُخالط الناس وهم الرهبان في صوامعهم، لما جاء عن الصديق رضي الله عنه من النهي عن قتلهم وقوله: وستمرون على أقوام في الصوامع قد حبسوا أنفسهم فيها فدعوهم حتى يميتهم الله على ضلالهم، وفي لفظ: فذروهم وما حبسوا أنفسهم له، وقد رُوي عن أبي بكر بإسناد مرسل ولكنَّها وصية مشتهرة عند التابعين من أهل الشام فمن بعدهم، والأظهر جواز قتلهم لعدم الدليل الصحيح الناقل عن الأصل الثابت من إباحة دمائهم، ويختص هذا بالرهبان في الصوامع أمَّا القساوسة والشمامسة الذين يُخالطون الناس فدماؤهم مباحةٌ بالاتفاق وهم كما قال ابن القيم: لا يتنازع العلماء في أنهم من أحق النصارى بالقتل عند المحاربة وبأخذ الجزية عند المسالمة وأنَّهم من جنس أئمة الكفر الذين قال فيهم الصديق رضي الله عنه ما قال وتلا قوله تعالى: (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) .
من يُخالط الناس وشأنه شأنهم إلاَّ أنَّه ليس من أهل القتال كالعسيف وهو الأجير في الرعي والصناعة ونحوها، وكالفلاَّح الذي لا شأن له في غير الزرع، وقد قال باستثناء هؤلاء بعض الفقهاء وخالف الشافعيَّة، والصحيح جواز قتلهم وإباحة دمائهم مطلقًا، ففي الصحيح من حديث ابن عباس في قوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) أنَّ رجلًا كان في غُنيمةٍ له، فلحقه المسلمون فقال السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنيمته، فأنزل الله في ذلك .. فذكر الآية، وفي هذه الآية دليلٌ على مشروعية قتلهم من هذه حاله من الرِّعاء، وإنَّما غلطوا في قتلهموه بعد أن ألقى السلام الذي هو في حقِّه وأمثاله دليلٌ على الإسلام، فلو كان قتل الرعاة وأمثال هذا الرجل حرامًا لنُهي عنه.
ففي هذا الذي تقدَّم بيان ما يدخل في الذرية وما قيل بإلحاقه بها وما صحَّ من كلِّ ذلك في النظر، ويأتي في المقال القادم بإذن الله تعالى بيان الحكم الشرعي في الذرية ومن يُلحق بهم، وما يُستثنى من هؤلاء ويجوز قتله، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.