فهرس الكتاب
وكما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار .. " الحديث.
أما من حفظ حروفه وضيّعَ حدوده كما هو واقعُ الكثير من حفظة القرآن، فإن القرآن يكون حجةً عليه يوم القيامة، وسببًا لعذابه في البرزخ ويوم القيامة، جاء في صحيح البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه رجلًا مضجعًا على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخُ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعادَ رأسهُ كما هو فعاد إليه فضربه، فقلتُ: من هذا؟ قالا لي: الذي رأيتَه يُشدخُ رأسه فرجلٌ علّمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعلُ به إلى يوم القيامة .. " الحديث.
ويلٌ لمن شفعاؤه خصماؤه ... والصورُ في يومِ القيامةِ يُنفخُ
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرفَ بليله إذا الناسُ نائمون، وبصومه إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناسُ يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون" قال محمد بن كعب: كنا نعرفُ قارئ القرآن بصفرة لونه، أي من طول التهجّد.
قال أحمد بن أبي الحواري: إني لأقرأ القرآن وأنظرُ فيه آيةً آيةً فيحيرُ عقلي بها، وأعجبُ من حفّاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقّه وتلذذوا به واستحْلَوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحًا بما قد رُزِقوا.
من يُرِدْ ملك الجنان ... فليدع عنه التواني
وليقمْ في ظلمة الل ... يلِ إلى نورِ القُرانِ
وليصل صومًا بصوم ... إن هذا العيش فاني
إنما ... العيش جوارُ ... اللهِ في دارِ الأمانِ
خامسًا: الدعاء: وخاصةً في حال الصيام، فإنه من أحرى أوقات الإجابة، ولذا جعل الله آية قربه من داعيه وإجابته لدعوته بين آيات الصيام، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ، إذًا على العبد الدعاء وعلى الله الإجابة؛ فألحَّوا على الله بالدعاء يا عباد الله، خاصةً وقد اجتمع لك مع الصوم؛ شرفُ الزمان الذي تُفتَّحُ فيه أبوابُ الجنة وتُغلقُ فيه أبواب النار. إذًا الصومُ مظنةٌ لإجابة الدعاء كما جاء في المسند وسنن الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثةٌ لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر .. " الحديث.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دُعيَ أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلِّ، وإن كان مفطرًا فليطعم" رواه مسلم، قوله: كان صائمًا فليصلِّ: أي فليدعو، وهذا دليلٌ على إجابة دعوة الصائم، فيدعو لمن دعاه مكافأةً له على دعوته إياه، وكذلك يحرص الصائم على الدعاء والاستغفار وقت الأسحار، لأن وقت السحر وقتُ نزول الرب سبحانه وتعالى، وقد أثنى الله على من يدعوه ويستغفره في هذا الوقت، قال الله عز وجل في الحديث القدسي: "من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" متفق عليه، قال تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) وقال تعالى: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فاستغلّ أيها المسلم هذا الوقت فإنَّ فيه فضيلتين: فهو وقت السَّحرِ وأكلة السحور، قال صلى الله عليه وسلم: "تسحّروا فإن في السحور بركة" متفقٌ عليه عن أنس [4] .