الصفحة 1272 من 1360

المحرمات في القتال الذرية (2/ 2)

بقلم الشيخ: عبد الله بن ناصر الرشيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وإمام الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

فقد تقدَّم الحديث عن الذُّريَّة ومن يُلحق بالنساء والأطفال في أحكام القتال، ومن حُكم له بحكم الذُّرية حرم قتله، ولم يُحكم بعصمته؛ فإنَّ العصمة تشمل تحريم الدم والمال والنفس وليس هذا حكمَ الذرية، بل يجوز أن يُسترقُّوا فهم من جملة الغنائم، وإذا جاز ملك رقابهم فإنَّ ذلك متضمِّنٌ لتملُّك أموالهم لأنَّ العبد لا يَملِكُ على الأصحِّ، وكذلك لو أُخذت أموالهم دون سَوقهم في السبي، لأنَّ من جاز تملُّك رقبته فتملُّك ماله أولى، ولأنَّ النهي نهيٌ عن قتلهم أمَّا الأموال فهي على أصل الإباحة، وقد دلَّ على هذا الحكم أيضًا حديث الصعب بن جثَّامة كما يأتي، وعلى هذا اتّفاق أهل العلم جميعًا.

ويُستثنى من الذرية في تملك رقابهم وأموالهم: الرهبان عند من يستثنيهم، لأنَّ الدليل الدالَّ على استثنائهم فيه النص على تركهم وعدم التعرُّض إليهم، فيكون لهم حكمٌ خاصٌّ في هذا، وقدَّمنا أنَّ الصواب عدم استثنائهم وجواز قتلهم كسائر الكفَّار لعدم الدليل الصحيح على استثنائهم من العمومات المحكمة في الكفَّار.

هذا، وقد استُثني من الحكم العام في الذرية بتحريم القتل صورٌ معدودة ذكرها أهل العلم ودلت عليها أدلَّة الشريعة، وهي خمس صور، اثنتان منهنَّ يُباح بهما القتال دون القتل، والثالثة يجوز فيها القتل والقتال اتفاقًا، والرابعة والخامسة قيل بإباحة القتل والقتال فيهما:

فالصورة الأولى: البيات.

أخرج البخاري ومسلم من حديث الصعب بن جثَّامة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن أهل الدار يُبيَّتون فيُصاب من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم".

والبيات هو الإغارة على المشركين ليلًا، والإغارة هي الهجمة عليهم في حين غرتهم؛ فإنَّ الهجوم على العدوِّ في دارهم أو موضع يقيمون فيه مُباغتةً يُسمَّى غارةً، وانتظارهم في مكان يمرُّون به ثمَّ مباغتتهم بالقتال يسمَّى كمينًا فيُقال للرجل كمينٌ وللقوم كمينٌ، وقتالهم دون مباغتة هو المصافَّة، وأصل الغور النزول في الأرض ثمَّ استعير للإسراع لأنَّ المُسرع يَغور في الأرض سريعًا في رأي العين، وسمِّي الذي يهجم على القوم في دارهم وأماكنهم مُغيرًا لأنَّه يُسرع كي يسبق الأخبارَ ويتمكَّن من المباغتة وإدراك ما يسمَّى عنصر المفاجأة، ولذلك لما بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى أُبنى وقال له فيما يُروى بسند لين: أغِر على أبنى صباحًا وحرِّق، قال له فيما ذكر الواقدي وهو يوصيه: وأسرعِ السَّيرَ تسبق الأخبارَ، وذلك ليتمَّ له مقصوده في الإغارة فيفجأ العدوَّ ولا يمكِّنه من التأهُّب للقتال.

والغارة اسم عامٌّ يدخل فيه البيات، وهو ما كان في الليل، وفي البيات من المُباغتة ما ليس في غيره من أوقات الغارة، لأنَّه يجمع غفلة الناس ونومهم، بخلاف الغارة في سائر الأوقات فإنَّ الناس ولو كانوا غافلين إلاَّ أنَّ المستيقظ أقرب إلى الاستعداد والمدافعة من النائم، فكانت البيات أكمل الأحوال في حصول المقصود من الغارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت