الصفحة 1273 من 1360

ولما في وقت الليل من الظلمة واختلاط الناس بعضهم ببعض، مع الحاجة إلى الإثخان في العدو تقتيلًا حتى لا يتمكنوا من المدافعة أو ليضعفوا عنها، كان الغالب في البيات أن يُقتل من النساء والأطفال، فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأجابهم بجوابٍ أعمَّ من السُّؤال؛ فقال: "هُم منهم"، ولم يكتف بالخبر عن الإباحة، بل زاد عليه البيان بأنَّهم بعضهم ليسوا منفصلين عنهم، ومقتضى ذلك أنَّ حكمهم حكمهم لأنَّ الحكم العامَّ على أولئك ينطبق على هؤلاء بالعموم، فيكون الأصل لحوقهم بآبائهم في جواز استرقاقهم وفي غنيمة أموالهم وفي عدم عصمتهم فيكون ما أُريق من دمائهم هدرًا لا دية فيه، وهذه الأحكام كلُّها زائدة عن المسئول عنه.

وعُرف من هذا الجواب أيضًا جواز قتلهم في تلك الصورة خاصَّةً، وتجمع شرطين:

الأوَّل: أن يكون قتلهم في حال البياتِ، وفي حكمه كلُّ حالٍ يصعب معها التمييز أو تفوت النكاية في الأعداء إن أُريد تمييزهم، وذلك مأخوذ من سؤال السائل وقوله فيه: (يُبيَّتون) ، والضمير في قوله صلى الله عليه وسلم: (هم منهم) يعود على الذراري الذين يُصابون في الحال المسئول عنها وهي حال البيات.

الثاني: ألاَّ يُفرَدوا بالقتل؛ فلو جاز تبييت أهل الدار والقتلُ دون تمييز فإنَّ من تميَّز من الذَّرَارِي وأمكن اجتنابه وجب أن يُجتنب ولا يُقتل، ولذلك ذكر في الحديث: "فيُصاب من نسائهم"، فجعل القتل يحصل تبعًا للبيات ولم يجعله مستقلاًّ وعبَّر بالإصابة التي تُوحي بعدم القصدِ، ومن الدليل على ذلك أيضًا ما قُدِّم في تحريم قتل الذرية فهو الأصل العامُّ، وما في الحديث صورة خاصَّةٌ فإذا أُفردوا بالقتل كان من الصورة الأولى المنهيِّ عنها.

ومن ذهب من أهل العلم إلى نسخ تحريم قتل النساء والصبيان بحديث الصعب بن جثَّامة، أو ذهب إلى نسخ حديث الصعب بن جثَّامة بالنهي عن قتل النساء والأطفال، فقد غلط وأبعد النجعة، والأَولى الجمع بين الأحاديث ما أمكن، ودعوى النسخ لا تكون إلاَّ عند تعذُّر الجمع أو قيام القرينة القوية عليه كعدم الفارق بين الصورتين، أمَّا مع ثبوت الفارق المؤثر فلا يسوغ القول بالنسخ، وقد رُوي في حديث الصعب زيادة تُفيد النسخ أخرجها ابن حبان في صحيحه وغيره قال الراوي: ثمَّ نسخ يوم حنين.

والصورة الثانية: التترس.

والفرق بين التترس والبيات، أنَّ التترس يكون عند عدم القدرة على التمييز في القتل، أما البيات فيكون عند عدم القدرة على التمييز في المعرفة، فإذا عرف النساء والأطفال فقتلهنَّ فهذا من التترس، وإذا لم يميّزهم بل قتل قتلًا عامًّا فكان بين القتلى نساء وأطفال فهو من البَيَات.

وحديث الصعب بن جثَّامة دالٌّ عليه بالقياس الجليِّ، فإنَّ العجز عن معرفتهم إذا عُلم منه أن سيُقتل منهم، كالعجز عن تمييزهم سواء، بل إنَّ جوازه في الترس أولى، لأنَّ البيات يُمكن فيه تمييز النساء عن الرجال بصعوبةٍ تفوِّت النكاية، أمَّا الترس فالغالب عدم إمكان تمييزه وإفراد الرجال بالقتل لأنَّ البيات إنَّما هو اختيارٌ لزيادة النكاية مع إمكان القتال بالمصافَّة دون بيات، أمَّا التترس فهو اضطرار لامتناع القتال إلاَّ بقتل الترس في الغالب.

وهذا لأنَّ قتل الذراري يجوز حيثُ لم يُقدر على المشركين إلاَّ بقتلهم؛ إمَّا عدم القدرة مطلقًا كما في التترس غالبًا، وإمَّا عدم القدرة بسلاحٍ معيَّنٍ كالمنجنيق والمتفجِّرات والقذائف، أو طريقةٍ في الحرب معيَّنة كالبيات والتفجير والتسميم بغازٍ ونحوه في بلاد الكفَّار، فهذا القسم العامُّ يدخل الترس فيه دخولًا أوَّليًّا والبيات دخولًا ثانويًّا كما هو ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت