فهرس الكتاب
وقد دلَّ قوله صلى الله عليه وسلم: "هم منهم"، في جواب السؤال على جواز التترس بعمومه، فإنَّهم إذا كانوا منهم في الحكم لم يكن في قتلهم حرجٌ يسير ولا كثيرٌ، وإذا كانوا منهم في الحكم حين يُقدر على قتالهم ولا يمتنع بعضهم ببعض، فكيف إذا لم يُقدر على قتالهم وامتنع بعضهم ببعض وتترس بعضهم ببعض.
وأصل مسألة التترس: أن يتَّخذ الكفَّار نساءهم وذراريهم ترسًا يتَّقون به رمي المسلمين وأسلحتهم، إمَّا لعلمهم أنَّ المسلمين أو طائفةً منهم يتورَّعون عن قتل هذا الترس فيسلم الكفَّار حين يتترسون به أو يُضعفون سبيل المسلمين إليهم، وإمَّا رجاء أن تضعف همة المسلمين عن قتالهم ويترددوا بسبب الترس والخوف من قتلهم والإثخان فيهم، وقد يكون لغير ذلك.
ومن المعروف من شأن كثير من الكفار وخاصَّة الصليبيين في هذا العصر أنَّهم يخدعون من قدروا على خداعه ليكون ترسًا لهم، وذلك بإسكانهم قربهم أو السكنى بينهم، وبتقديم جيوش البلاد التي تقاتل في خدمتهم كما فعلوا بجيش الحكومة السعودية في حرب الخليج الثانية التي يسمُّونها حرب تحرير الكويت، فيكون هذا من دوافع الترس.
ومن صور مسألة التترس: اختلاطهم بنسائهم وأطفالهم في بيوتهم، أو اصطحابهم لهم في تنقُّلهم وسياراتهم، وكذا سكناهم جميعًا في مدنهم وبلدانهم، وكل موضعٍ لم يُقدر على قتلهم فيه إلاَّ بقتل نسائهم وأطفالهم، وكذلك ما لم يُقدر على قتلهم فيه بوسيلةٍ من وسائل الحرب إلاَّ بقتل الذراري كالتفجيرات ونحوها.
وهذه الأحكام في التترس إنَّما هي في الترس الكافرين الذين لا يحرِّم دماءهم إلاَّ كونهم من الذراري، أمَّا إذا كان الترس من المسلمين فله تفاصيل أخرى وضوابط تُذكر في موضعها بإذن الله تعالى.
والصورة الثالثة: الحرابة.
فيجوز فيها القتل والقتل بالاتفاق، النساء كالرجال في الكفار وفي المسلمين، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ حكم الحرابة وآية الحرابة في العرنيين وقد كانوا كفارًا مرتدِّين، فإذا قطعت المرأة الطريقَ أو قتلت المسلمين في غير قتال، أو دعت إلى الكفر كالمنصِّرات، أو نحو ذلك فإنَّها تُقتل للحرابة والدعوة إلى الكفر، وهذا فيمن حارب أو قتل أو آذى من النساء خارج القتال، أمَّا من قَتَلت في القتال فحكمها أن تُقاتَل، ثمَّ إن أُسرت فحكمها حكم الأسير، وقد يقول قائل إنَّ دخولها القتال أو إعانتها المقاتلين مبيحٌ لدمها مستقلٌّ كالحرابة بقطع النظر عمَّا فعلته في القتال، فيكون قتلها لأنَّها قاتلت أو أعانت المقاتلين، لا لما تفعله في قتالها، ويعضد ذلكَ بأنَّها مكلفة عاقلة بالغة، فهي من هذا الوجه كالرجال لا الأطفال؛ فيرجَّح استدلالًا بذلك القول بقتل المرأة إذا قاتلت ولو أُسرت أو ولَّت كما يأتي ذكر المسألة، وفي هذا قُوَّة لكنِّي أتهيَّب الجزم به والله أعلم.
والصورة الرابعة: قتال المسلمين والإعانة عليهم.
فمن قاتل من الذُّريَّة، سواء في ذلك النساء والأطفال وسائر من هو في حكمهم، وسواءٌ في هذا الحكم من قاتل منهم ومن أعان المشركين أو حرَّضهم على القتال أو عيَّر المشركين بالفرار، كما فعلت نساء المشركين في بدر وفي غيرها.