الصفحة 1290 من 1360

بقلم: عبد الرحمن بن سالم الشمري

للجهاد من الفضائل ما ليس لغيره من الأعمال، بل لم يرد في الفضل لعمل من الأعمال في القرآن والسنة مثل ما ورد من فضل الجهاد والرباط في سبيل الله.

وحسبك أنَّ من ربط فرسًا في سبيل الله كان له أجر ما تأكله من شيء بل لو مرت بنهر فشربت ولم يُرد أن يسقيها كان له ذلك حسنات، وأجر ما تقطعه من الأرض، وكان له أرواثها وآثارها كله حسنات، كما في الصحيحين وغيرهما، وإذا كان هذا الأجر فيمن ربط الفرس الذي ليس له نية ولا عليه تكليف، فلا تسأل عن المجاهد الذي يربط نفسه على أمر الله والجهاد في سبيله.

فإذا كان هذا الأجر لصاحب الدابة التي لا تعقل في الفعل الذي ليس عبادة كالأكل والشرب بل والروث، فكيف بالعبادات إذا فعلها المجاهد؟ لا شكَّ أنَّ له ثواب كل عبادةٍ مضاعفًا أضعافًا كثيرةً، ومن هذه العبادات العظيمة الصيام.

وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الصيام، منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: "كل عمل ابن آدم له إلاَّ الصيام فإنَّه لي وأنا أجزي به"، والصيام سبب التقوى كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، والتقوى سبب لتفريج الكروب وتيسير الأمور كما قال عز وجل: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) ، فالصيام مفتاحٌ من أعظم مفاتيح النصر.

وفي فضل الصيام للمجاهد خاصَّة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا"، فهذا في صيام يوم واحدٍ فكيف بالشهر كلِّه؟ وكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا السنةَ كلَّها؟ ومن يصوم رمضان ثمَّ يتبعه ستًّا من شوَّال فيكون كصيام الدهر؟

وإذا كان العبد يحرص على البعد عن النار ولو شيئًا يسيرًا، بل عليه أن يتّقي النار ولو بشقِّ تمرة، فكيف بمن يبتعد عن النار في اليوم الواحد مسافة سبعين سنة!! سبعون سنةً في صيام يوم واحد في سبيل الله، فكيف بمن صام شهر رمضان: (30 × 70 = 2100) أي أنَّ المجاهد يباعد وجهه عن النار مسافة أكثر من ألفي سنة في صوم رمضان وحده!

هل لنا مقصود أعظم من الفوز بالجنة والنجاة من النار؟ وهل يحصل العبد في دنياه كلها منفعةً أعظم من التباعد عن النار والقرب من الجنة؟ وهل يفوز بغايةٍ أعظم من هذه الغاية؟!

وشهر رمضان هو شهر الصبر، كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، والصبر لا حساب لجزائه كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، فلذلك كان ثواب الصيام غير محدود كما في الحديث: "إلاَّ الصوم فإنَّه لي وأنا أجزي به"، والجهاد أيضًا عبادة قائمة على الصبر والمصابرة، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا"، وقد جاء في ثواب الجهاد من النصوص ما لم يرد في غيره.

فإذا اجتمعت هاتان العبادتان المبنيتان على الصبر في وقتٍ واحد، استحقَّ صاحبهما الثواب العظيم، والجزاء من جنس العمل فمن صبر على الخوف في الجهاد استحقَّ الأمن في الآخرة، ومن صبر على الظمأ في الصيام استحقَّ الريَّ الأعظم في الآخرة، ومن صبر على الجوع في الصيام استحقَّ الشبع في الآخرة، ومن صبر على ذهاب النفس في الجهاد استحقَّ الحياة الكريمة الأبدية في الجنات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت