فهرس الكتاب
والمناسبة بين الصيام والجهاد مناسبة وثيقة، ولذلك كانت غزوة بدر الكبرى أول يوم نصر فيه الإسلام في شهر رمضان، وكان فتح مكة أعظم فتح في الإسلام، والذي دخل الناس الإسلام بعده أفواجًا في شهر رمضان أيضًا.
وفي الصيام من الفضائل: القرب من الله عز وجل وهو سبب لقبول الدعاء، ولذلك ذكر الله عز وجل آية الدعاء بعد آيات الصيام في سورة البقرة فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) .
فليغتنم الصائم قربه من الله حال الصيام بصيامه، وقربه منه حال القيام بقيامه، وليدع الله عزَّ وجلَّ فإنَّه قريبٌ مجيب، وهو الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، والأمة في هذه الحال العصيبة من تكالب الأعداء واجتماع الجيوش الصليبية الكافرة عليها، وحال المسلمين في كل مكانٍ تؤرق من كان له قلب، فادعوا الله عز وجل وتضرعوا إليه أن يكشف السوء عن هذه الأمة وأن ينصر المجاهدين في سبيله في كل مكان.
وهذه العشر الأواخر أقبلت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر أحيى ليله وأيقظ أهله وجد وشدَّ المئزر، فيا أهل قيام الليل هذا موسمكم، ويا أهل رمضان هذا شهركم آذن بانصرام فتداركوه بالطاعات، ويا أهل ثلث الليل الآخر .. إذا قال الله عز وجل: هل من داعٍ فأستجيب له فاجعلوا للمجاهدين دعوةً صادقةً من قلبٍ إلى الله منيبٍ .. واجعلوا لأنفسكم دعوةً أن يوفقكم الله للجهاد وينتشلكم من أوحال القعود .. وإن كنتم من المجاهدين فاسألوا الله قبول الأعمال والثبات على الجهاد، وأن يجعل جهادكم خالصًا لوجهه صوابًا على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم .. واسألوا الله أن ينصركم على الأعداء ..
وأنت أيها القاعد عن الجهاد: أما زلت تلتمس لنفسك الأعذار؟ ألم تشبع من الذل الذي يُصبّ على هاماتنا كل نهار؟ أما بحثت لنفسك عن طريق للعودة إلى الله والإنابة إليه، والتوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها؟
ألا تنظر فيما قدَّمتَ من القعود والخذلان للمسلمين، فتقدِّم نفسك لله كفارةً لهذه الذنوب العظيمة؟
أما زلت تعد نفسك في الأحياء؟! لقد أخطأت حساباتك أخي القاعد - عفا الله عنك - لو كنتَ من الأحياء لمتَّ غمًّا مما أصاب الأمة .. ولكنَّك - واعذرني أخي الكريم - من الأمواتِ قلبًا وقالبًا .. !!
ولكن هناك فرصةٌ للحياة، أدعوك لاستغلالها .. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) ..
قال عروة بن الزبير: أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل وقواكم بها بعد الضعف ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم ..