فهرس الكتاب
بخلاف ما عليه كثير من الناس إذا أراد أن يعيب من يُكَفِّر الكُفار؛ قال لا يَعرِف أحكام الوضوء أو الصلاة ثم يأتي ويُكفِّر، نعم؛ تعلم تكفير الكفار وأصل الإيمان قبل تعلم أحكام الوضوء والصلاة، لأن أوّل ما فرض الله علينا الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، كما بين الله ذلك في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته، وهذه هي أوّل دعوة الرسل كلهم قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) وجاء في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس، على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان"فإذا دلّ الدليل من الكتاب أو السنة على كفر أحدٍ فيجب العمل بذلك، لأن القرآن لم ينزَّل والرسول لم يرسل إلا بالعمل بما جاءا به."
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله "فالله الله يا إخواني؛ تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره، وأُسّه ورأسه، شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم، وأبغضوهم وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يُكَفِّرهم، أو قال: ما عليَّ منهم، أو قال: ما كلّفني الله بهم، فقد كذب على الله وافترى، فقد كلّفه الله بهم، وافترض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم" ا. هـ.
قال ابن رجب رحمه الله: (فإن تحقيق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تألُّهُ الله وحده إجلالًا وهيبةً ومخافةً ومحبةً ورجاءً وتعظيمًا وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّهُ ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبةٌ ولا إرادةٌ، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان فمن أحب شيئًا وأطاعه وأحب عليه وأبغض عليه فهو إلهه فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقًا، ومن أحب لهواه وأبغض له, ووالى عليه وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى:(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) ) ا. هـ.
فكلمة التوحيد التي رفعت اليوم بالشعارت والأعلام، لم تُحارب ويُحارب أهلها كما في هذا الزمان فهي كلمة تُعلَّق ولا عمل بها، أهلها ما بين مسجون وقتيل وطريد، فهي كلمةٌ من يدّعيها كثير ومن يعمل بها أقل القليل أهلها خائفون مختفون، ومُحاربون ممن ينتسب إليها ظلمًا وزورًا.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وعامة الناس إذا أسلموا بعد كفرٍ، أو وُلِدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمانٌ مجمل، لكنّ دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصلُ شيئًا فشيئًا، إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثيرٌ من الناس لا يَصِلونَ إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شُكِّكوا لشكّوا، ولو أُمروا بالجهاد لما جاهدوا، إذ ليس عندهم من علم اليقين ما يدرأُ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال, فهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتُلوا بمن يدخلُ عليهم شبهاتٍ توجِب ريبتهم فإن لم يُنعِم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوعٍ من النفاق) ا. هـ.