الصفحة 134 من 1360

شهيد الحرم ...

متعب المحيّاني ... غربة الشهداء

بقلم: رفيق دربه أبي محمد المكي

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... وأصبح في شغلٍ عن السَّفَرِ السّفْرُ

توفيت ... الآمال ... بعدك ... متعبٌ ... من الضربِ، واعتلّتْ عليه القنا السُمْرُ

وما مات حتى مات مضربُ سيفهِ ... وقال لها من تحتِ أخمصكِ الحشرُ

فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلهُ ... لها الليلُ إلا وهي من سندسٍ خضرُ

تردّى ثيابَ الموتِ حمرًا فما أتى ... غداةَ ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ

ثوى طاهر الأردان لم تبقَ بقعةٌ ... رأيت الكريمَ الحُرّ ليس له عمرُ

عليك ... سلامُ ... الله ... وقفًا ... فإنني ... فليس لعينٍ لم يَفِضْ ماؤها عذرُ

حنظلة المكي ... متعب محمد صالح المحيّاني ... ذلك الشاب الأسمر الذي امتلأ همةً سامية، وعزيمةً ورجولة ..

كان رحمه الله غير مستقيم في بداية عمره، وأراد الله سبحانه وتعالى به خيرًا، ففتح عينيه على النور، سلك درب الجهاد الطويل، ذلك الدرب المليء بالأشواك، ومضى تلامس الجوزاء همته حتى ألقى عصا الترحال تحت ظل طوبى [1] ...

نفر إلى ساحات العزة والكرامة، وكانت المحطة الأولى في مسيرة الفارس: كشمير، تلك الجنة الخضراء التي عطر ربوعها متعب وإخوته ...

ألم ترَ أنَّ الجَزْعَ أضحى ترابهُ ... مِنَ المسكِ كافورًا، وأعوادهُ رنْدا

وما ذاكَ إلا أن هندًا عشيةً ... تمشّتْ وجَرّتْ في جوانبهِ بُرْدَا

أعد نفسه في معسكرات التدريب هناك، وكان ينوي المشاركة في كشمير، ولكن كتب الله له الانتقال إلى أفغانستان حيث توقف البطل في محطته الثانية.

نزل بأرض قندهار الأبية هو وإخوته، وكانوا لا يرون القتال مع نظام طالبان، وفي أول يومٍ من وصولهم اجتمع متعب بإخوته وقال لهم: لا بد من سؤال الشيخ أبي حفص الموريتاني، ثم غدا إلى الشيخ وسأله، فأفتاه الشيخ بشرعية القتال مع الطالبان.

عاد البطل إلى إخوته وقال لهم في موقف الثابت التواق إلى الحور وضرب النحور: نحن ما أتينا إلى هنا للجلوس في المضافات، وإني ذاهبٌ إلى كابل فمشاركٌ إخوتيَ الجلادَ والنزال .. ومضى ..

ومضى كأن الأرض لم يولد بها ... أبدًا ... ولم يعرف له رفقاءَ

وصل متعب - تقبله الله - إلى كابل، ومنذ وصوله نزل إلى الخنادق ونسي المضافات والفنادق، برزت شجاعته وبسالته الفائقة في المعارك العسكرية، ومع قوته وجلده كان هينًا لينا على إخوته، نقاءُ سريرةٍ وصفاءُ نفس، وكأني به يتمثلُ قوله تعالى (( فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) ).

كان خدومًا لإخوته، و (سيدُ القومِ خادمهم) ، وكان نسيجَ وحده في الصبرِ والمصابرةِ على الأذى واحتمال المشاق، فتارةً تراه في المطبخ، وتارةً تراه في المستشفى ينقذ ويسعف ويساعد، وتارةً محتضنًا رشاشة يرسل الموتَ إلى نحور الأعداء .. همةٌ وجَلَدْ ... وصبرٌ متواصل، كل هذا في تواضعٍ كبير من رجلٍ كبير ..

دنوتَ تواضعًا وسموتَ مجدًا ... فشأناك ... انخفاضٌ ... وارتفاعُ

كذاك الشمسُ تَبْعُدُ أنْ تُسامَى ... ويدنو ... الضوءُ منها والشُعاعُ

إن بعض الشباب يحب أن يذهب للجبهات محفولًا مكفولًا، يريد الطريقَ معبدةً نظيفةً خاليةً من الأشواك، رشاشٌ في يده، وخندقٌ محفور، وعدوٌ يضربُه [2] ، ولكن متعب رحمه الله لم يفهم الجهاد هذا الفهم، فالجهاد - بكل متطلباته وأعبائه - كان مشروعه المفضّل لنصرة دين الله عز وجل ودفع الضيم والأذى عن إخوانه المسلمين، فهو إن كان في الساقةِ كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، موقنٌ بصحة المنهج وسلامة الطريق، مطيعٌ لأميره لا يحيد عن تنفيذ أمره، فتقبله الله وأعلى في الخالدين ذِكْرَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت