الصفحة 135 من 1360

وكان رحمه الله فريدًا في صبره وخدمته لإخوانه، فقد كان لا يطبخ لهم غيره، وكان يصبر على نقل الجرحى ومباشرة إسعافهم ويصبر على رؤية الجراح ومعالجتها أشد الصبر فلله دره ..

ومع هذا كله، فقد كان شغله في نحر الأعداء وفي خدمة إخوانه لا يشغله ولا يلهيه عن طاعة ربه وعبادته، فقد كان يقرأ القرآن في فترة الصباح لساعاتٍ طويلة فرحمه الله، يصدق فيه وفي إخوانه من المجاهدين الغرباء:

عُبّادُ ليلٍ إذا جنّ الظلامُ بهمْ ... كم عابٍدٍ دمعهُ في الخد أجراهُ

وأُسدُ غابٍ إذا نادى الجهادُ بهم ... هَبّوا إلى الموت يَسْتَجْدُونَ لقياهُ

وقبيل الحرب الصليبية على أفغانستان، تحركت في نفس البطل أشواقٌ إلى جزيرة العرب، إلى موطن الرجال الأحرار، غيرَ أن الكريم الحر إذا تنسّم عبير العزة فأنّى له السكوت على الضيم، وهذي أرضه قد دنستها أقدام أبناء القردة والخنازير، فهيهات القعود عنهم، هيهات هيهات.

جمع بعض إخوته في إحدى الليالي، وهناك تم العقد بينهم وبين خلّاقهم، عقدٌ لا إقالة فيه ولا استقالة، (ربح البيع والله لا نقيل ولا نستقيل) ، أحس الأحرار بالواجب الملقى على عواتقهم والمتمثل بتخليص الجزيرة العربية من النصارى والمرتدين يطأون ترابها وينامون تحت سمائها ..

غير أن الحملة الصليبية العاشرة بدأت جحافلها تتجه نحو مقبرة الأقوياء، نحو أفغانستان، فشُغُلَ بها الأبطال وقالوا: نزال، فمنهم من أُسِرْ، ومنهم من بُتِرْ، ومابدّلوا تبديلا ...

بحث شباب الإسلام في النازلة، وإذا الطائرات التي قتلت الأطفال ورمّلت النساء وشرّدتِ الأسرَ تنطلق من أرضهم، ومن جزيرة نبيهم، فتجدد العقد، وانبعث الشوق القديم ..

وذو الشوقِ القديمِ وإن تعزىّ ... مشوقٌ حين يلقى العاشقينا

نزل الشباب المجاهد الجزيرة، ومنذ اليوم الأول بدأ متعب رحمه الله في إعداد القوة لأعداء الله، فكان رحمه الله يجهز إخوانه بالأسلحة ويمدهم بها ويقوم بنقلها بنفسه، حتى أن أحد الإخوان يخبرني أن متعب رحمه الله يقول: منذ عودتي من أفغانستان لم أبتْ في بيت أهلي ليلةً واحدة، حتى أن والده العم: محمد بن صالح المحيّاني [3] أراد أن يحتفل بعودته سالمًا من أرض أفغانستان فلم يستطع!! حتى أتى متعب رحمه الله إلى بيته ذات مساء لحاجةٍ يريدها فاستغل أبوه الفرصة وجمع أقاربه وأولم وليمته فانحرج متعب واضطر أن يجلس، فلله دره، في هذه الحياة الملأى بالمتناقضات شبابٌ يتسابقون إلى الولائم، وآخرون ينفرون منها ويتسابقون إلى الموت ...

أعد العدة، وغدا إلى الساحة، وهنا قام الجهاد على أكتاف الشباب المجاهد - أمثال متعب وإخوانه - في جزيرة العرب، وكان المشروع قتال الأمريكان، غير أن الطاغوت لا يمكن أن يسمح بالمساس بأمريكا، فوجوده مرهون بوجودها، وقوته بقوتها، فبدأ المعركة مع أسود الله، وهيهات أن يكسب الطاغوت المعركة إذا كان هؤلاء الحمقى المرتزقة هم أداته اللعينة في الوقوف في فسطاط الصليب.

وفي هذه الأثناء يُقدر الله سبحانه وتعالى أن يكتشف منزلٌ للإخوة في منطقة الشرائع في مكة المكرمة - أعدوه لقتل المعتمرين، والراكعين الساجدين، حتى كان لا يجتازُ بهم معتمرٌ إلا أراقوا دمه!!! [4] - وحدثت معركة بين أولياء الله وأولياء الطاغوت: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) ، وكان متعب رحمه الله يصول ويجول، فضرب مدرعةً لقوات الطواريء بقذيفة آر بي جي، وتمكن مع بعض رفاقه من الانسحاب بعد أن أثخنوا في العدو، وانحازوا إلى بعض الجبال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت