قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز: "وقد خرج جماعة من المسلمين على الحكام المرتدين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده، دون تَمَيُّز في الديار أو مفاصلة، فلما خرج الأسود العنسي المتنبي الكذاب وغلب على اليمن واستولى عليها احتال عليه فَيْروز الديلمي ـ وكان من أنصاره في الظاهر ـ حتى قتله، وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم [1] ، ولم ينكر ذ ولا لك النبي صلى الله عليه وسلم أحد من الصحابة، وما قال أحد كيف يقتل فيروز هذا الأسود قبل أن ينحاز إلى أرض مستقلة؟ كذلك خرج يزيد بن الوليد وطائفة معه على الخليفة الوليد بن يزيد لما اتُّهِم بالانحلال في الدين حتى قتلوه، دون تَمَيُّز في الديار [2] ، ونقتصر على هذين المثلين اختصارا ...
وقد انعقد الإجماع على أنه إذا نزل العدو الكافر ببلد تَعَيَّن على أهله قتالهم ـ أي صار دفع الكافرين فرض عين على المسلمين بهذه البلدة ـ فهاهم المسلمون وعدوهم في دار واحدة، وقد فقد المسلمون استقلالية دارهم بالغزو، ومع ذلك يجب عليهم القتال عَيْنًا إجماعا [3] ...
إن هذا القول باشتراط تَمَيُّز الدارين لوجوب الجهاد هو قول فاسد، وهو يفضي إلى تعطيل الجهاد خاصة جهاد الدفع. قلت: كذلك فإن هذا القول باشتراط تميز الدارين معناه الاستسلام للأمر الواقع والسكوت عن هؤلاء الطواغيت الحاكمين لبلاد المسلمين، ومعناه إسقاط فريضة الجهاد المتعين على أعيان المسلمين بهذه البلاد، وهذا القول يفضي إلى استئصال الإسلام بالكلية من هذه البلاد في زمن يسير، نعوذ بالله من ذلك" ا. هـ من العمدة بتصرف. والخلاصة أن هذه الشبهة ساقطة من وجوه:
أنه لا دليل عليها.
أنه قد انعقد الإجماع على وجوب الجهاد إذا دخل العدو بلد المسلمين دون ذكر للتميز أو قيام الدولة.
أن قيام الدولة لا يمكن أن يحصل إلا بالجهاد.
حصلت وقائع جهادية في تأريخ المسلمين في عهد الصحابة وغيرهم لم يذكر فيها هذا الشرط أو يعتد فيها بهذه الشبهة.
أن حاصله تعطيل الجهاد إلى غير أجل وكفى بذلك دليلًا على بطلان هذه الشبهة.
والحمد لله رب العالمين
[1] - البداية والنهاية لابن كثير 6/ 307 ـ 310
[2] - البداية والنهاية لابن كثير 10/ 6 ـ 11
[3] - كما نقلته عن ابن تيمية ـ الاختيارات الفقهية ص: 309