فقه الجهاد مقاصِدُ الجِهاد: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب (1/ 2)
يكتبها الشيخ / عبد الله بن ناصر الرشيد حفظه الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد سبقَ الحديثُ عن المقصد الأوَّل من مقاصد الجهاد وهو دفع الصائل، والحديث عن صورةٍ من صورِ دفعِ الصائلِ، وهو دفع الصائل من جندِ السُّلطانِ إذا صال، والحديثُ اليوم عن موجبٍ من موجبات الجهاد، ومقصد من مقاصده، وصورةٍ من صورِ عدوان الكفَّارِ على المسلمين، وهو دخول الكفَّار جزيرةَ العرب التي حرَّمها الله عليهم، وإقامتهم القواعد العسكريَّة، وحشدهم الحشود البرية والبحرية والجوية، في كل جهةٍ من جهات جزيرة العرب: شرقها وغربها وشمالها وجنوبها.
وقد كان من آخر وصية النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته: "أخرجُوا المشركين في جزيرة العرب" وهذا أمرٌ منه صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب.
وجزيرةُ العرب مركّبٌ إضافيٌّ من جزأينِ: جزيرة، والعرب، فأمَّا الجزيرةُ فهي اسمٌ لأرضٍ يُحيطُ بها الماءُ من كل جهةٍ، ومنه جزيرة العراق، وهي ما بين دجلة والفرات، وجزيرة العرب المذكورة في الحديث، وهي: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام، ثم دجلة والفرات، كما هي عبارة القاموس، وبحر الشام هو المسمى اليوم بالبحر الأحمر، وبحر الهند هو المحيط الهندي وكأنَّه ألحق به بحر فارس الَّذي يسمَّى اليوم الخليج العربي، ولم يذكر اللغويون غير هذا القول وإن تفاوتت عباراتهم في بيانه، وتسميتهم جزيرة العرب باسم الجزيرة إما أنَّه تجوّز لإحاطة الماء بها من أغلب جهاتها، على عادة العرب في التوسع في مثل هذا الباب، وإمَّا أنَّهم عدُّوا دجلة والفرات بحرًا كما جاء بهذه التسمية قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) ومعلوم أنَّ العذب الفرات هو النهر.
ولا يصح تسمية جزءٍ من الأرضِ بالجزيرة مع كون الماء لا يُحيط به، وليس بقربه بحرٌ إلاَّ من جهةٍ واحدةٍ من جهاته، ليس هذا في لسانِ العربِ، وإنَّما يُتصوّر أن تشتهر جزيرةٌ باسم جزيرة العرب ثمَّ يُطلق الاسم ويُراد به بعضُ أجزائِها لخصوصيَّةٍ فيه، وإذا كان هذا فهو مجازٌ نادرٌ في الاستعمال لا يُصار إليه إلاَّ أن تُرجِّحه على الحقيقة قرينةٌ، ولعل هذا هو مستند من فسَّر جزيرة العرب بأرض الحجاز وهو قولٌ باطلٌ عقلًا ونقلًا ولغةً وشرعًا على جلالةِ بعضِ من قال به.
واسم الجزيرة الوارد في الحديثِ وردَ على أرضٍ هي جزيرةٌ لا يعرف أكثر المخاطبين أو بعضهم جزيرةً غيرُها، وهي جزيرة العرب، وهذه الجزيرةُ هي أرضُ العربِ: قحطانيُّهم في اليمن منها، وقريشٌ وهوازن وغطفان ومن جاورهم من العرب وعامّتهم من مضر في الحجاز، وربيعةُ وتميمٌ في نجدٍ وهجر والبحرين وأطراف العراق، وليس في الجزيرة غيرهم.
وليس من العرب أحد خارج هذه الجزيرة إلاَّ شيئًا من ربيعة ومضر ممن دخل بلاد فارسٍ، ولم تكن ديارًا لهم، وبعض العرب ممن دخل الشام كالغساسنة من الأزدِ وهم قليلٌ في أكنافِ الرومِ.
فصحّ في هذه الجزيرة: أنَّه لا يسكنها غيرُ العرب، ولا يسكن العرب غيرَها؛ فهي جزيرةُ العربِ بالحسِّ والمشاهدةِ، وصحَّ أنَّ اسم الجزيرة مطابقٌ لها في اللسان، وأنَّ اسمها عند العرب جزيرة العرب في البلدانِ.
وأمَّا من قال إنَّ جزيرة العرب هي الحجاز، فقد استند إلى إبقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض المشركين في غير الحجاز كنصارى نجران، وبقايا يهود اليمن، فرأى أنَّ ذلك صارفٌ يصرف اسم الجزيرةِ إلى أرضِ الحجازِ وحدَها.