فهرس الكتاب
أباطيل وأسمار كُنّا مستضعفين في الأرض
مجالس في كشف الشبهات المعاصرة حول الجهاد
بقلم أبي عبد الله السعدي
تقول له: جاهد في سبيل الله، فيأتيك الجواب السهل المريح: لا أستطيع!، أنا ضعيف!، هكذا وبدون مقدّمات، يريح نفسه من عناء الواجب الضخم والحمل الثقيل الذي جعله الله اختبارًا لكل طالبٍ للجنّة (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) .
مثل هذا الجواب الخانع لا يقال بموجب العقل، بل تسوقه النفس الذليلة، إخلادًا إلى الأرض، وحبًّا في الدنيا، وكراهيةً للموت، واستسلامًا للمعوّقات الثمانية: (الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال المقترفة والتجارة المخشيُّ كسادها والمساكن المرضيّة)
مرضنا هو الذلّة، وليس القلّة ..
قال صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذُلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"، وقال صلى الله عليه وسلم: "أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل".
الذل مرض أقعد بني إسرائيل عن الجهاد مع أنهم موعودون بالنصر، ونبي الله بين أظهرهم، فلم ينفع ذلك في اقتلاع شجرة الذلّ الراسخة في أفئدتهم الهواء فقالوا لموسى عليه السلام: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) .
واليوم يتبع بعضنا سَنَنَ من كان قبلنا فيحلّ بهم من الذل ما يمنعهم من الجهاد في سبيل الله معتذرين بالضعف والاستضعاف، فمهما أريته الآيات البينات في نصر الله لعباده المؤمنين سواء منها الآيات الشرعية المبثوثة في نصوص الشرع، أو الآيات الكونية المحسوسة على أرض الواقع فلن تجد منه إلا صدودًا (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ) .
ومهما سردت له من نصوص الوعيد في حق المتخلفين عن الجهاد الواجب وما في ذلك من سلوك مسالك النفاق فلن يتحرك في قلبه شعور المحاسبة، ووازع المراقبة فـ:
من يهن يسهل الهوان عليه=ما لجرح بميتٍ إيلام
وبعضهم لا يكتفي بقعوده بل يتخذ من قاعدة "الهجوم خير وسيلة للدفاع" مطية له فيعادي المجاهدين ويخطؤهم حتى يسلم له جاهه ولا تنكسر كبرياؤه إذا وصف بأنه من الخوالف القاعدين!!
لا نشك أن المسلمين اليوم ضعفاء، وضعفهم متفاوت من بلد إلى آخر، ولكن هل كانوا ضعفاء إلا بترك الجهاد؟ هل يمكن أن يزول هذا الضعف إلا باستثمار الطاقات الموجودة وتوجيهها للجهاد؟ وهل يكف بأس الكفار بغير الجهاد؟ لا والله (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا) .
إنّ المسلمين لا يقاتلون عدوهم بعدد ولا عدة، بل وعدهم الله بالنصر إن هم نصروه مهما كانوا ضعفاء (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .
فكيف وهم اليوم كثيرٌ عددُهم، مستفيضةٌ أموالُهم، تملأُ الأرضَ خيراتُ بلادِهم، والسلاح بين أيديهم؟!
هل ينقصهم إلا أن يتوبوا إلى الله من ذنوبهم، وإسرافهم في أمرهم والركون إلى أعدائهم ونفض غبار الذل عن رؤوسهم؟!