الصفحة 343 من 1360

كلماتٌ من نار خطبة الإمام: علي بن عبد السلام التسولي [1] رحمه الله

عباد الله: عليكم بتقوى الله، وأجيبوا داعي الله، واعلموا أنَّ الله سبحانه، أيّد هذا الدين المحمدي بالجهاد، ووعد الساعي فيه، أو في شيء منه إلى سني المراد، فجعل سبحانه الشهيد بالحياة المحفوفة في برزخ الموت، بالرزق الجزيل، وحسن الاستمداد، فما من ميت مقبول إلا ولا يتمنى العود إلى الدنيا إلاَّ الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة عند ذي العرش الحميد، فيتمنى: الرجوع إليها ليزداد، إذ له من الكرامة مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يوم العباد.

أخرج الحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله وقد استشهد أبوه في أحد، ألا أبشرك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال "إن الله أحيا أباك وأقعده بين يديه، وقال: تمن على ما شئت أعطيك؟ قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى أن تردني إلى الدنيا، أقتل مع نبيك مرة أخرى في الجهاد، قال: قد سبق مني إنك إليها لا ترد".

فأعظم به من وصف لا تحصى فضائله، إذ قدمت على نوافل الخير المعلى نوافله، عند الربِّ الرحيم الكريم يوم التناد.

فناهيك بأنَّ للمجاهد مزية لا يدركها غيره، ولو عبد ألف سنة، هي حياته المحفوفة بالرزق الجليل طول الآباد.

أخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أصيب أهل أحد، أعطاهم الله الشهادة والحياة، والرزق الطيب، قالوا: يا ليتنا نبلغ إخواننا: إنا قد لقينا ربنا، فرضي عنّا، وأرضانا، فقال الله تعالى: أنا رسولكم إلى نبينكم، وإخوانكم، وأنزل الله: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) و (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ) .

فبين سبحانه: أنه لا نجاة من الموت و لا محيد إلاّ في قتال أهل الكفر والعناد، فيالها من مزية، علت المزايا مراتبها، ورتبة علت المراتب فضائلها، فاق بها المجاهد سائر العباد، وفاز بكريم منابها يوم يقوم الأشهاد، فلو أراد أحدكم دواء للموت، لم يجد له إلا فناء نفسه في قتال أهل الكفر والارتداد.

فحرضوا أنفسكم وأشياعكم عليه بقلب وقالب وجازم الاعتقاد، وأكثروا من الأهبة والنفر إليه، وبادروا له بغاية الاستعداد، فإن لم تشغلوهم شغلوكم، وإن لم تقاتلوهم قاتلوكم، كيف وهم لكم بالمرصاد، أولا ترون أنهم نزلوا على من بالقرب منكم، واستولوا لهم على أعظم الثغور، وصارت تخلى رعبا منهم، المنازل والقصور، ويغتالون لهم الرقاب والأموال والأولاد.

فانظروا أيدكم الله لأنفسكم، فإنَّ فساد الكفر، لا يعدله فساد، يبث الشرك والتثليث، وينسخ كلمة التوحيد، و يُمحى أثر قائلها من الأرض والبلاد!

أولا تتيقنون أن الله تعالى أمرنا بالغلظة عليه، والتقوّى، وكثرة الاستعداد؟

أولا تعلمون أن الله تعالى، وعدنا بالنصر عليهم وهو سبحانه إن وعد بشيء لا يخلف الميعاد؟

قال جل من قائل (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ) وقال: (وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) .

وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) وقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) .

وقال (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ) وقال: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت