الصفحة 344 من 1360

وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ) أي: أحسبتم أن تتركوا فلا تؤمروا بالقتال في الجهاد، ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب، ويتميز كل على الانفراد.

وقال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ) أي: لنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالقتال والجهاد، حتى يتبين الصابر على دينه من غيره، وتظهر أخباركم للحاضر والباد.

فتنبهوا أيدكم الله: فإنّكم بهذه الآيات القرآنية المخاطبون، وبالأحاديث المصطفية المقصودون، إذ بيدكم الحل و العقد، والرعية في طوعكم، فكيف بأمرها بالجهاد تبخلون؟ وأنتم خلفاء الله في أرضه ..

فكيف على دينه لا تغيرون؟ أأمنتم مكر الله (فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) .

أاتخذتم عند الله عهدًا، فأنت عليه متوكلون؟!

أم تعتقدون أن كفاركم اليوم لا يقصدونكم بالقتال والجهاد.

أم تقولون: نحن اشتغلنا اليوم بجهاد أنفسنا ورعيتنا، بالخدمة على الأولاد؟

والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعثه الله مجاهدًا، وفي هذا الغرض الأدنى زاهدًا، مقتنعًا باليسير، وهو: يستعد لعدوه الاستعداد الكبير، فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون؟

وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون؟

وإذا لم تشمروا عن ساق الجد في هذه البرهة ففي أي وقت تشمرون؟

وإذا لم تستعدوا في هذه الفسحة فمتى تستعدون؟

أفلا تتذكرون: أنّ الله تعالى سبحانه أمر بالذهاب إليهم، وقتالهم في أرضهم، فكيف: إذا قدموا إلى برنا هذا بالغي والفساد، أم لنا براءة استثنانا الله تعالى بسببها من عموم دعوة العباد؟

فالجهاد فرض عينٍ على من نزل به عدو الدين، فإن لم تكن فيهم كفاية، أو لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم، فإن لم تكن في الذين يلونهم كفاية، أو لم تجتمع لهم كلمة، فعلى الذين يلونهم، وهكذا إلى أن تحصل الكفاية ...

ولو اتصل ذلك من مثل المغرب لبغداد .. وعم ذلك من الآفاق الحاضر والباد.

فأيقظوا أنفسكم من وسن الغفلة، وانتهزوا من عدو الدين الفرصة، مادامت معكم فرصة الاستعداد، قبل أن يتفاقم الهول، ويحق القول، ويسد الباب، ويحق العذاب، وتسترق بالكفر الرقاب، ويحصل الفوت بسبب الازدياد ...

فإن لم تستعدوا فهم لكم بصدد الاستعداد، والوقوف لكم بالمرصاد، ولا تتكلوا على من يخبركم من ضعاف العقول من وفائهم باستمرار العهود، وعدم نقضهم للميثاق المعقود، فإن ذلك كله مردود ...

إذ لا ميثاق ولا عهد لأعداء الدين وأهل الفساد، كيف ونحن لا نعتبر عهودهم وشهادتهم بالإضافة إليهم، فكيف نعتبرها بالنسبة إلينا بإجماع أهل العلم والاجتهاد؟!

جعلني الله وإياكم ممن يقظ فاستيقظ، ووعظ فاتعظ ... وكان أول من امتثل، حتى فاز بفضيلة مزية الجهاد.

[1] من كتابه أجوبة التسولي على أسئلة الأمير عبد القادر في الجهاد ص 256 خطبها لما استولى الكفار على الجزائر في المحرم 1246هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت