فقه الجهاد الخروج على الحاكم (1/ 2)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه آخر مسألة نذكرها من مسائل جهاد الدفع، وهو المقصد الأول من مقاصد الجهاد التي وعدنا بالحديث عنها، والمسألة مسألة قتال الحاكم الكافر.
فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان".
واتفقت الأمة على وجوب قتال الحاكم الكافر، وشرط النبي صلى الله عليه وسلم لقتاله كما في الحديث: "أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" وهذا الشرط يتضمَّن جزأين: أن يكون الكفر بواحًا، وأن يكون عندنا من الله فيه برهان، والشرط الأول في فاعل المكفّر، والثاني في دليل كون الفعل كفرًا.
وقوله بواحًا: يخرج الكفر الملتبس المشكوك فيه، مثل ما كان من جنس "لحن القول" الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف به المنافقين، إلاَّ أنَّ الاحتمال يرد في المقالةِ فتحتمل ما هو كفر وما ليس بكفر، ولا يمكن أن تقوم البيِّنة على أحد الاحتمالينِ.
وقوله عندكم من الله فيه برهان، أي دليلٌ واضحٌ على أنَّ هذا الفعل مكفِّر، فلا يُؤخذ من دليلٍ مشتبه الدلالة، أو ضعيفٍ كحديث: "إذا تبايعتم بالعينة".
وعبّر في بعض الأحاديث بالصلاة عن الدين فقال: ما أقاموا فيكم الصلاة، كما يُعبَّر بالركوع عن الصلاة، وكما عبّر بالصلاة عن أصل الدين في قوله صلى الله عليه وسلم: "إنِّي نُهيتُ عن قتلِ المصلِّين" مع ثبوتِ قتله وقتل أصحابه من بعده لجمعٍ من المرتدِّين الَّذين لم يتركوا الصلاة لسببٍ آخر ارتدُّوا به.
ولو فُرض أنَّ المراد الصلاة حقيقةً، فالعموم في تحريم قتال الحاكم المقيم للصلاة، مخصوص بالكفر البواح فيُقاتل إذا كفر كفرًا بواحًا ولو لم يترك الصلاة لما مضى وما يأتي من أدلّةٍ.
والحكَّام المرتدّون الحاكمون لبلاد المسلمين اليوم مشروعٌ قتالهم لمناطاتٍ عدةٍ مجتمعةٍ فيهم كلٌّ منها كافٍ في وجوب القتال:
فالمناط الأول: كفرهم، والكفر من حيث هو موجبٌ للقتال، لقوله عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) ، وقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) ، وقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث جماعة من الصحابة: "أمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" الحديث، وفي المسند وسنن أبي داود بسندٍ حسن وجوده شيخ الإسلام ابن تيمية وابن رجبٍ وغيرهما: "بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له"، وفي صحيح مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه: "امضوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله".
وهذا المناط يقتضي القتالِ، ولكنَّه لا يقتضي كون قتال الحكَّام المرتدِّين المحاربين للمسلمين اليوم من جهاد الدفع، وإنَّما الاعتماد في ذلك على المناطات التالية.
المناط الثاني: الردَّة، فيجب في الشريعة قتال من ارتدّ بعد أن ثبتَ له حكم الإسلام الظاهر وإن كان منافقًا ثمَّ أعلن بعض نفاقِه، قال صلى الله عليه وسلم: "من بدَّل دينه فاقتلوه" وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه قتلُ جماعاتٍ من المرتدِّين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته.