بقي أن نذكر بشرط مهم هو أن يكون قعود المجاهد في مثل هذه الأدوار المتأخرة والقواعد الخلفية بنيةٍ خالصةٍ وصادقةٍ وأن تكون تحت نظر أمراء الجهاد الذين يقدرون مدى الحاجة من عدمها، وعليه فلا يفرح بكلامنا هذا قاعدٌ زينت له نفسه التشاغل بأمر الدنيا ثم تراه يتذرع بأنه يخدم الجهاد من مكانه الذي تخلف فيه، فإذا تأملت حاله رأيت أنه إنما اختار من الأعمال أبعدها عن الملاحقة الأمنية، وأسهلها على النفس، وأقلها ضررًا وخطورة ولو كانت حاجة المجاهدين إلى غيرها أعظم، وكذا لو كانت طاقته تؤهله لدور أكبر، ثم هو مع ذلك لا يعطيها إلا فضلة وقته، وفتات همه، ورغم ذلك كله فإنه إذا أحس بالخطر وأوجس خيفةً ترك هذا الدور القليل الهزيل الذي كان يمن به على دين الله والجهاد ويعتذر به عن النفير إلى القتال، فكانت هذه علامةٌ بيّنةٌ على كذبه، وضعف إيمانه، وأنه إنما اختار هذه الأدوار لتوهمه السلامة فلما تحقق عدمها نكص على عقبيه، ولقد رأينا كثيرًا من هذا الجنس - هداهم الله وردهم إلى رشدهم - جدوا في طريق الجهاد بعد غزوة منهاتن المباركة، وأدوا أدوارًا طيبةً لكنها ليست بالمستوى المطلوب الواجب فلم ينفروا إلى ساحات المعارك بل قعدوا في الظل والنعيم وخدموا العمل الجهادي إلى حينٍ بما يقدرون على أكثر منه فلما وقعت غزوة شرق الرياض المباركة وضاقت الأرض على المجاهدين وزلزل المؤمنون زلزالًا شديدًا ميز الله الصادقين من الكاذبين ورجع كثيرٌ من الناس على أعقابهم وجبنوا وضعفوا، وادعوا أن ليس في مقدورهم عمل شيء ولم يكونوا صادقين فقد كان أمامهم كثيرٌ من العمل الذي كانوا يؤدونه سابقًا لكنه اليوم محفوف بالمخاطر فمن تحملها وثبت على الطريق كان ذلك دليلًا على صدق نيته وأن تأخره مع أهل الساقة لم يكن طمعًا في بقاء أو خوفًا من لقاء بل كان لمصلحة الجهاد وفائدته، وأما من فعل غير ذلك فقد شهد على نفسه بأنه طالب سلامة، ساع في دروب الراحة، ومثل هذا لا نزيده خداعًا لنفسه، بل نحذره ونعظه بكتاب الله (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) .