فهرس الكتاب
[1] - تتمة للتعليق الماضي على هذه الجملة والتي فيها تأكيد وجوب قتال كل طائفة لها منعة امتنعت عن إقامة الدين كله لله قتالًا واجبًا - لا مستحبًا ولا مباحًا - على كل من خلا من الأعذار الشرعية المجيزة لقعوده عن القتال وفي هذا الجملة المقتبسة من قوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) الآية، إشارة إلى أن الفتنة الحقيقية بنص كلام الله تعالى هي جعل بعض الدين لله وبعضه لغير الله، فمتى ما كان هذا في قوم أو بلد فالفتنة قائمة يجب العمل على عقرها ووأدها وقتل رعاتها وحراسها، وفي هذا رد شرعي قاطع على أولئك المنكوسين فكريًا المنصهرين وطنيًا المنحرفين عقديًا الذين يقلبون الحقائق الشرعية والأصول العقدية حينما يردون على الحكيم جل وعلا أمره المحكم في هذه الآية فيشنعون على المقاتلين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله أشد من تشنيعهم على رعاة الفتنة ومشيعي الكفر ومنظري الردة، بل الأعجب أن تجدهم يتكلفون من الاعتذارات لهؤلاء والتماس المبرارت لخبثهم والتورع عن كشف سبيلهم ما لا يسلكون عشر معشاره إزاء جهاد الموحدين المقاتلين في سبيل الله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ألا يعلم أولئك أن الفتنه أشد من القتل إذا كان القتل خطأً محضًا فكيف إذا كان قتلًا مشروعًا وواجبًا في سبيل الله تعالى يبتغى منه إطفاء فتنة الكفر وكف بأس الذين كفروا؟.
والتورع عن قتال من أمر الله بقتالهم خشية ترتّب فتنة يتوهم إمكان وقوعها عند اندلاع شرارة الجهاد تورعٌ ما كان يتحلى به إلا المنافقون الخُلّص في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال شيخ الإسلام تعليقًا على قوله تعالى: (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) : يقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ والله يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من الجهاد. فتدبر هذا، فإن هذا مقام خطر. أ. هـ
وإن تظاهر هؤلاء بالحرص على تفادي الفتنة بمنع القتال في سبيل خشية أن يفرز القتال في سبيل الله آثارًا جانبية وأخطاء قتالية لحرصٌ على أمر ما صنعه الله في جيش خير البرية عليه الصلاة والسلام، فكم هي الأخطاء الجانبية التي برزت في بعض معارك الرسول صلى الله عليه وسلم من بعض أفراد الجيش كما حصل يوم أحد ويوم حنين وقتل خالد لبني جذيمة فقال عليه الصلاة والسلام"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"وكذلك قتل بعض الصحابة لابن الحضرمي في الشهر الحرام يوم أن كان القتال فيه محرمًا فشنّعت بذلك قريش على رسول صلى الله عليه وسلم وصحابته فأنزل الله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) ثم قال مبينًا في المقابل عظيم جرم قريش: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) هكذا العدل الرباني حيث نيّن جل وعلا خطأ المؤمنين بقتلهم في الشهر الحرام ولكنه خطأٌ لا يقارن بالفتنة التي توقدها قريش بصد الناس عن الدين وإيذاء المؤمنين وإخراجهم من ديارهم فإن هذه الفتنة أكبر وأشد عند الله من حصول قتلٍ منهيٍّ عنه شرعًا على يد بعض المؤمنين المتأولين.