قال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : حض على الجهاد، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده وإن كان في ذلك تلف النفوس، وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال وذلك أوجب لكونهما دون النفوس إذ هي أهون منها، قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم، وهذا لا خلاف فيه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (فكوا العاني) ".
وقال الشوكاني رحمه الله: "والمستضعفين مجرور عطفا علي الاسم الشريف أي مالكم لا تقاتلون في سبيل الله وسبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من الأسر وتريحوهم مما هم فيه من الجهد ويجوز أن يكون منصوبا علي الاختصاص أي وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم من يصدق عليه سبيل الله".
و عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني وأطعموا الجائع، وعودوا المريض) رواه البخاري ومسلم.
والعاني: الأسير قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية. وبه قال الجمهور، وقال إسحاق بن راهويه: من بيت المال) .
وقال الإمام المناوي شارحًا هذا الحديث في فيض القدير: (( فكوا) خلِّصوا، والفكاك بفتح الفاء وتكسر التخليص، (العاني) بمُهملة ونون أي أعتقوا الأسير من أيدي العدو بمال أو غيره كالرقيق قال ابن الأثير: العاني الأسير وكل من ذّل واستكان وخضع فقد عنا .. ).أهـ. قال أبو بكر الجصاص: "وهذا الحكم من وجوب مفاداة الأسارى ثابت علينا؛ روى الحجاج بن أرطأة عن الحكم عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم ويفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين. وروى منصور عن شقيق بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أطعموا الطعام وأفشوا السلام وعودوا المريض وفكوا العاني) ، فهذان الخبران يدلان على فكاك الأسير؛ لأن العاني هو الأسير وقد روى عمران بن حصين وسلمة بن الأكوع: أن النبي عليه السلام فدى أسارى من المسلمين بالمشركين".
وثبت في الصحيح أيضًا عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، هل عندكم من الوحي شيء؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يعطيه الله عز وجل رجلًا، وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟. قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
وقد جرت سنة النبي صلى الله عليه وسلم على إنقاذ الأسرى وتخليصهم من العدو، ففي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم (فدى رجلًا برجلين) ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لللمسلمين المأسورين لدى قريش كما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة يقول: " (اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة, اللهم أنج سلمة بن هشام, اللهم أنج الوليد بن الوليد, اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين, اللهم اشدد وطأتك على مضر, اللهم اجعلها سنين كسني يوسف) ".
اللهم أعنّا على فكاك أسرى المسلمين وافتح لنا في هذا الباب فتحًا عظيمًا، يا كريم.