فقه الجهاد المقصد الثاني من مقاصد الجهاد: الدعوة إلى الله (2/ 3)
بقلم: عبد الله بن ناصر الرشيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فقد اتّفقت الأمَّة كما تقدَّم على جهاد الطلب لدعوة الكفَّار إلى دين الإسلام، وفهم بعضهم من اختلاف الفقهاء في علة الجهاد هل هو الكفر أم المحاربة أنَّ المسألة خلافية، وهذا غلطٌ شنيعٌ.
والكفار بالاتفاق إما محاربون يجوز قتالهم، وإما معاهدون لا يجوز قتالهم، فمن قال إنَّ علة القتال الكفر احترز من أن يشمل القتال المعاهدَ بأن جعل العهد مانعًا، ومن قال إنَّ علة القتال المحاربة قصد الوصف الذي يميّز الكافر الحربيَّ عن الكافر المعاهد، لا نفس فعل المحاربة.
ومعلومٌ أنَّ كلَّ كافرٍ يستطيع القتال مهدور الدم مأمورٌ بقتاله، إلاَّ من كان له عهدٌ أو أمانٌ، وهذا إجماعٌ حكاه ابن جريرٍ في تفسير قوله تعالى: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) وغيره.
والجواب عن جميع الشبهات التي أُوردت مما يستندون فيه إلى القرآن لا يخرج عن هذه الأصول:
الأصل الأوَّل: أنَّ مفهوم الآيات التي تأمر بقتالٍ أخصَّ من قتال الطلب، لا ينفي قتال الطلب لوروده بمنطوق نصوص أخرى.
فمن يستدلُّ بقوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) وقوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) ، وقوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) ، يصحُّ له الاستدلال بها على القتال لدفع العدو الصائل، والدفاع عن المؤمنين المستضعفين، ولكن ليس له الاستدلال بذلك على نفي ما عدا قتال الدفع بدلالة مفهوم المخالفة، للمنطوق الصريح في نصوص أخرى - كالتي تقدمت في المقال السابق- والمفهوم مطلقٌ لا يعم، لاعتماد دلالته على الافتقار إلى سبب تخصيص المنطوق بالحكم، والافتقار يزول بأي سببٍ، وإذا كان مطلقًا فمتى عارضه المنطوقُ الخاصُّ كان قاطعًا مبيّنًا له، والخاصُّ يقضي عليه ولو كان عامًّا فكيف وهو مطلقٌ؟
فكل ما كان من هذا الجنس من النصوص، فلا فرق فيه بين أن يتقدَّم أو يتأخَّر عن فرض جهاد الطلب، من جهة أنَّه لا تنافي بينهما.