الصفحة 545 من 1360

ونحن نقول: إنَّ الساحر يُحكم بسحره بمجرد ثبوت السحر عنه، ونريد بالسحر معناه الشرعيَّ الذي لا يكون إلاَّ بالشركِ، فما علق الشافعي الحكم على ثبوته، علمنا ثبوتَه فاستغنينا عن تعليق الحكم به.

والنوع الآخر الذي ذكره الشافعي وجعله دون الكفر وهو ما كان بغير الألفاظ الشركية، فإنَّه لم يثبت وجوده وإنَّما احتمل لوجود ما لا يُفهم من طلاسم السحرة، وتعليق الحكم بها لا يصح عند من علم أنَّها وإن لم تُعلم تفاصيل معانيها لا تخلو من الشرك بحالٍ من الأحوال، على أنَّ معرفة ما فيها اليوم ليست بالمتعذرة بل في كتب السحر التي توجد عندهم ما يوضح معانيها ويبينها وقد نُظر فيها كثيرًا فلم يوجد شيء من طلاسمهم وكتاباتهم يخلو من الشرك، ومثل هذا مع استفاضته بمنزلة البينة التي اشترطها الشافعي في الحكم بكفر الساحر.

وعلى هذا فلا يكون السحر ناقضًا مستقلاًّ عن غيره من النواقض، بل هو في الحقيقة عائد إلى نواقض أخرى مكفرةٍ بذاتها.

ومن الأحكام الثابتة في الساحر الذي ثبت كفره عند الشافعي ومطلقًا عند الجمهور: ضرب عنقه بالسيف، وقد ثبت من كلام جندب بن جنادة وعمر بن الخطاب ومن فعل حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قتلُ الساحر، فكان في كتاب عمر بن الخطاب الذي رواه بجالة بن عبدة: اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال بجالة فقتلنا ثلاث سواحر، وقد اختصر البخاري هذا الحديث فروى بعضه وأسنده غيره بتمامه وهو على شرطه، وقال جندب: حد الساحر ضربه بالسيف، وأمرت حفصة بقتل جاريةٍ لها سحرتها.

وأما لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقتله النبي، فحكمه مختلف من وجوه:

الأول: أن علة قتل الساحر هي الردة، ولبيد يهودي لم يسلم أصلًا فانتفت العلة فيه من جهة السحر وبقيت من جهة العدوان، وهذا حق خاص للنبي صلى الله عليه وسلم له إسقاطه وله المطالبة به، وانتقاض عهده بالعدوان إنما يكون حيث لا يسقط صاحب الحق حقه أما إن أسقطه فلا لأن الحق فيه حق خاصٌّ.

الثاني: أن ثبوت السحر عليه لم يكن ببينة، وإنما كان بالوحي، والأرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأخذ في الأحكام القضائية بالوحي بل كان يأخذ بالبينات.

الثالث: أنَّ ترك النبي صلى الله عليه وسلم لقتله متقدم على فعل الصحابة وأمر عمر بن الخطاب، فيحتمل أن حد الساحر إنما شُرع بعد ذلك وأفعال الصحابة دليل على آخر الأمرين.

هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتبه فرحان بن مشهور الرويلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت