الصفحة 544 من 1360

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

فقد قال الله عز وجل: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) والآية ظاهرة في تكفير الساحر للفاء الدالة على التعقيب، فقولهم: فلا تكفر يعني فلا تتعلم فتكفر، أو فلا تعمل بالسحر فتكفر.

وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالة النواقض هذا الناقض سابع النواقض التي تخرج العبد من الملة، واستدل عليه بهذه الآية.

وقد وقع اختلاف بين أهل العلم في كفر الساحر هل يكون كافرًا على الإطلاق أم حتَّى يكون في سحره ما يخرجه من الملة من استغاثة بالشياطين ودعاء لها وللكواكب ونحو ذلك؟

فذهب الجماهير إلى كفر الساحر مطلقًا أخذًا بظاهر الآية، وذهب الشافعي إلى التفصيل المذكور، ورأى أن الساحر لا يكفر بكل حالٍ، بل يستفصل ويُسأل عن سحره فإن كان فيه كفر حكم بكفره وإلا فلا.

والأرجح والله أعلم أن يُقال:

إن للسحر حقيقة شرعية، وحقيقة لغوية، فالحقيقة اللغوية كما قال أهل العلم شاملة لكل ما خفي ولطُف سببه، فتشمل سحر البيان، وتشمل أنواع الحيل والخدع التي تأتي بأمور مستغربةٍ عند من لم يعرفها على التفصيل، وإن كانت راجعةً إلى الطبيعة وخصائصها وتفاعلات المواد الكيميائية أو الخواص الفيزيائية للأشياء، وهذا كله من المباح ما لم يُستعمل في محرم وتشمل السحر المعروف وغيره.

وأما الحقيقة الشرعية فإنَّها مختصة بالسحر الذي ذكره الله في الآية المأخوذ عن الشياطين وهو سحر قائم على الشرك معتمدٌ عليه، لا يتم إلا بالاستغاثة بالجن والشياطين، والاستهزاء بالدين وسب رب العالمين، وهذا أمر كالمسلَّم عند العارفين به.

فما كان سحرًا بالحقيقة الشرعية من سحر السحرة الذي يُعرف بأماراته من الطلاسم المعهودة عن السحرة، والعقد التي يُنفث فيها، والآثار التي يُعرف أنها تكون عن هذا السحر كالتفريق بين المرء وزوجه وهو الصرف، وكذا العطف مما يكون بلا أسبابٍ ظاهرةٍ، ويثبت كونه ناتجًا عن سحر ذلك الساحر، ونحو هذه الأمارات، فهي ظاهرة يثبت بها السحر كما تثبت الأحكام بالبينات المعروفة، ما كان من هذا الباب فهو كفر مخرج من الملة.

وأما ما نُظر فيه فوُجد أنَّه راجع إلى أمور من السنن الكونية والخصائص الطبيعية التي يعرفها أهل كل شأن في شأنهم، كالمخترعات الحديثة التي ظُنَّت سحرًا لبعد أذهان كثير من الناس عن إدراك كنهها، وكبعض الحيل المعروفة من خلط مواد تؤثر تأثيرًا خارقًا للعادة في وهم من يجهلها ونحو ذلك، فهذا مباحٌ ليس فيه إلا استعمال ما خلق الله على وجه لا محذور فيه ما لم يُتوسَّل بها إلى محرَّم.

وبهذا القول يجتمع قول الشافعي مع قول الجمهور، فالشافعي عمم اسم السحر واشترط ثبوت فعل الشرك في كل واقعةٍ من السحر حين رأى أن السحر يكون بشرك وبدون شرك، فرأى أن لا يُحكم بكفر الساحر حتى يثبت أن سحره من النوع الذي فيه الشرك.

كما أنَّ الجمهور حين أطلقوا كفر الساحر لم يريدوا الأنواع التي ترجع إلى طبائع المواد، والكيمياء الصحيحة، ونحو ذلك من الأمور التي لا يميزها إلا خفاء أسبابها عن كثير من الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت