الصفحة 550 من 1360

بقلم أبي عبد الله السعدي

ليس للمسلمين اليوم خليفة يحكمهم، ولا أميرٌ مسلمٌ يسوسهم، فالحكام المرتدون من العرب والعجم قد تسلّطوا على المسلمين في بلادهم كلّها، والله المستعان.

إلا أنّ قومًا مخذولين يحاولون أن يلبّسوا على الناس دينهم، فكلّما سعى ساعٍ من المسلمين إلى أرضٍ يجاهد فيها أعداء الله قالوا له: لا بد من إذن الإمام!! فأضلّوا كثيرًا وضلّوا عن سواء السبيل ..

ومنهم من يتفنّن في الافتراء على الله فيزعم أنّ من خرج للجهاد اليوم بغير إذن إمامه (الطاغوت طبعًا) فقتل فإنه يموت عاصيًا غيرَ شهيدٍ!

وهذا من أبطل الأباطيل، فإن هؤلاء الحكّام الذين يشترط الجهلة إذنهم أعداءٌ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجهادهم من أوجب الواجبات بعد توحيد الله تعالى، فكيف يستأذنون في جهادنا لهم؟!، أم كيف يستأذنون في جهاد أسيادهم من الكفار اليهود أو النصارى؟!

فمن وجب عليه الجهاد من المسلمين اليوم لم يجب عليه استئذان الطاغوت الذي يسمّى في بلده بالإمام زورًا وبهتانًا.

وما ذكره السلف والفقهاء رحمهم الله من وجوب استئذان الإمام في الجهاد فمعاذ الله أن يكون في حق هؤلاء الطواغيت وأمثالهم، وإنما هو في حق الإمام المسلم الذي لزمت طاعته، ووجبت بيعته، فالأصل حينئذٍ وجوب استئذانه في الجهاد لما في ذلك من الإعانة على تحقيق مقاصد الإمامة التي أرادها الشرع، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [النساء /59] وهذا عامٌ في كلّ أمر، قال صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ" قال ابن تيمية رحمه الله تعليقًا على هذا الحديث: َأَوْجَبَ صلى الله عليه وسلم تَامِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةِ وَإِمَارَةٍ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا أَوْجَبَهُ مِنْ الْجِهَادِ وَالْعَدْلِ وَإِقَامَةِ الْحَجِّ وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ. وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقُوَّةِ وَالْإِمَارَةِ) [1] وأمر الجهاد أولى وأوجب بأن ينصب له أميرٌ تلزم طاعته، ويستأذن في تفاصيل الجهاد، قال ابن قدامة رحمه الله: (وأَمْرُ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ, وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ) [2]

ومع ذلك فإن إذن الإمام لا يشترط ولا يجب في حالات، منها:

إذا تعذّر استئذان الإمام إما لبعد المسافة كما حصل في غزوة مؤتة لما استشهد الأمراء الثلاثة (جعفر وزيد وابن رواحة رضي الله عنهم) إذ تولى الإمارة خالد بن الوليد رضي الله عنه من غير استئذانٍ من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك إذا خُشِي فوات العدو لم يلزم استئذان الإمام كما حصل من سلمة بن الأكوع حين أغارت غطفان على إبل النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلهم سلمة رضي الله عنه لوحده حتى استنقذ الإبل دون إذن من النبي صلى الله عليه وسلم، والقصة في صحيح مسلم.

إذا ترك الإمام المسلمُ الجهادَ خوفًا أو جبنًا أو انشغالًا بملذّاته وشهواته، قال تعالى:) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ) [النساء/84] قال ابن حزم: (كما يغزى مع الإمام ويغزو المرء أهل الكفر وحده إن قدر) [3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت