فقه الجهاد المقصد الثاني من مقاصد الجهاد: الدعوة إلى الله (3/ 3)
بقلم: عبد الله بن ناصر الرشيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فإن أحكام الكافر تنقسم قسمين باعتبار قيام حجة الله عليه وبلوغ الرسالة المحمدية إليه:
القسم الأول: ما يثبت للكافر بمجرد كفره كتحريم نكاحه المسلمة، وتحريم الصلاة والترحم عليه ودفنه في مقابر المسلمين.
القسم الثاني: ما يتوقف ثبوته على بلوغ الدعوة إليه، وهو إباحة دمِه وماله وابتدائه بالقتال وغيرها من أحكام الدنيا، والشهادة عليه بالخلود في النار وتعذيبه من أحكام الآخرة على أحد القولين في المسألة.
ومن أحكام القسم الثاني جهاد الطلب الذي يُبتدأ فيه الكافر بالقتال سواء لدعوته أو لغيره من المقاصد التي سيُذكر بعضها في المقال القادم بإذن الله.
والكفَّار في الشريعة معاهدون أو حربيُّون؛ فالمعاهد معصوم الدم والمال، والحربيُّ - وهو من لم يسبق له من المسلمين أمان ولا عهدٌ ولا ذمَّة- يشمل الرجال والذرية، ومن بلغتهم الدعوة ومن لم تبلغهم، إلاَّ أنَّهم على مراتب ثلاثٍ في الأحكام:
أولاها: من لم تبلغه الدعوة من الرجال والنساء والذرية، فهؤلاء يحرم ابتداؤهم بالعدوان على دمائهم وأموالهم وأنفُسِهم، ولا يجوز شيء من ذلك إلاَّ بعد الدعوة، قال ابن رشدٍ: "وذلك شيء مجمع عليه بين المسلمين".
وإذا دُعوا فلم يستجيبوا كانوا من القسمين التاليين، إلاَّ أنَّه لا يجوز التعرض إليهم إلاَّ بأن يكونوا في مأمنهم كأهل الحصون والقلاع، أو يردُّوا إلى مأمنهم، كشأن المستأمن ليسمع كلام الله، لأنَّه كان محرمًا دمه آمنًا بالشرع قبل أن يُدعى فإذا دُعي ولم يستجب لم يزل عنه الأمان والتحريم الشرعي إلاَّ بأن يصل إلى مأمنه.
وثانيتها: من بلغته الدعوة من المُقاتلة - وهم كُلُّ من يُقاتِل مثلُه - فهؤلاء يُقاتلون، ويجوز فيهم القتل والاسترقاق، وأموالهم غنيمة للمسلمين.
وثالثتُها: من بلغته الدعوة من الذرية، فهؤلاء يحرم إفرادهم بالقتلِ، ويجوز فيهم الاسترقاق، وأموالهم غنيمةٌ للمسلمين.
والكافر الذي لم يُحكم بأنَّ الدعوة بلغته لا يُطلق القول بعصمة دمه وماله ولا بهدره، لأنَّ العصمة تشمل تحريم قتله واسترقاقه وأخذ ماله، ووجوب الضمان على من قتله، وهذا يصح في الكافر المعاهد والذمِّي دونَه لأنَّ قاتله ليس عليه إلاَّ التوبة، وماله إن أُخذ أعيد إليه إن وُجد صاحبه، ورجع إلى بيت المال إن لم يُوجد صاحبه.
وجميع من قدَّمنا ذكرهم ممن لم تبلغه الدعوة أو كان من الذرية يجوز قتاله إذا قاتل، ويدفع إذا صال، بل لو كان مسلمًا دُفع، فكيف وهو كافرٌ؟ وإنَّما يجري التفصيل في ابتدائهم بالقتال لا في دفعهم.
والقاعدة الشرعية المحكمة المطّردة في معاملة الطوائف أنَّها تعامل معاملة الرجل الواحد فيما يثبت له ويجب فيه، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وأدلة المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع.
ومن فروع هذه القاعدة دعوة الكفَّار قبل القتال، فقد توهَّم قومٌ أنَّ المراد بها أن تصل الدعوة إلى كلِّ فردٍ من الكفَّار، وأنَّ المراد بها أن يصلهم الدين ودعاته وأن يسمعوا حججه ويفهموا أدلَّته، وهذا ما لم يقل به أحدٌ من أهل العلم ولا ذهب إليه من المسلمين الأُول أحد، ولا فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته وأحد من التابعين ومن تبعهم في كل العصور التي كان فيها جهاد الطلب.
قال أحمد كان النبي يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام , ولا أعرف اليوم أحدًا يُدعى، قد بلغت الدعوة كل أحد، والروم قد بلغتهم الدعوة , وعلموا ما يراد منهم.