الصفحة 573 من 1360

فالمقصود من الدعوة أن يسمعوا بالإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم كما قال صلوات الله وسلامه عليه: "والَّذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يُؤمن بي إلاَّ دخل النار".

وأما وصية النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه الذين يرسلهم في البعوث والسرايا بدعوة الكفَّار قبل قتالهم، فقد عارضها إغارته صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارُّون وما في معناه مما جاء في الإغارة، وجمع كثير من أهل العلم بأنَّها كانت في أوَّل الأمر قبل انتشار أمر الإسلام، وفي هذا المحمل نظر، والأوجه حمل الأمر فيها على الندب فهي من الدعوة المستحبة لا الواجبة.

والدعوة المستحبَّة لا حدَّ لها فكل ما زاد عن الواجبة داخل في الدعوة المستحبة، أخرج الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة وابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّه لا أحد أحبُّ إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل"وفي لفظٍ:"من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين" فكل ما كان زيادةً في الإعذار فهو مشروع دون أن يترتب عليه ترك لشيء من الواجبات، إذ لا يُقدَّم المستحبُّ على الواجب.

وإذا كان هذا في الدعوة التي تجب قبل القتال، فإنَّه كذلك في الاستجابة التي يُرفع بها السيف، فلا يُقال إنَّ القتال يسقط اليوم بوجود أفرادٍ يدعون أفرادًا في بحورٍ من أمم الشرك والكفر كما يقول من لا يفقه دين الله عزَّ وجلَّ، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستمهلون بالدعوة بل كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يمهل العدوَّ ثلاثًا لينظروا في أمرهم.

وارتفاع السيف عن الكفَّار في جهاد الطلب يكون مؤقتًا بالهدنة، ودائمًا بالإسلام أو الجزيةِ، والفرق بينهما أنَّ المؤقت يكون بإبقاء الكفار ودولتهم وحكمهم، أمَّا الدائم فلا يكون إلاَّ بإزالة الأحكام الكافرة والحكومات الكفريَّة، لذا اشترط الفقهاء فيه: "بذل الجزية والتزام أحكام الملة"، والإتاوة التي تُؤخذ من الكفَّار صلحًا يتضمَّن إبقاء حكمهم الكفري مؤقتًا ليست هي الجزية، وإن سُمِّيت بذلك فعلى التجوّز دون أن تكون مثلها في الأحكام، ومن هنا تعلم خطأ بعض الفضلاء حين ذكر أنَّ تحرير موسكو من جهاد الدفع لأنَّها كانت تدفع الجزية للمسلمين، فإنَّها لم تحكم بالإسلام قطُّ وإنَّما صولح أهلها على بقاء حكمهم والعدول عنهم مدة يدفعون فيها تلك الإتاوة.

هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت