قال المدائني وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام يقتلون من وجدوا من الناس ويأخذون الأموال فأرسلت سُعدى بنت عوف المرية إلى مسلم بن عقبة تقول له: أنا بنت عمك فمر أصحابك أن لا يتعرضوا لإبلنا بمكان كذا وكذا فقال لأصحابه لا تبدؤوا إلا بأخذ إبلها أولا وجاءته امرأة فقالت: أنا مولاتك وابني في الأسارى فقال: عجلوه لها فضربت عنقه وقال: أعطوه رأسه أما ترضين أن لا يقتل حتى تتكلمي في ابنك ووقعوا على النساء حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج والله أعلم قال المدائني عن أبى قرة قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج وقد اختفى جماعة من سادات الصحابة منهم جابر بن عبد الله وخرج أبو سعيد الخدري فلجأ إلى غار في جبل فلحقه رجل من أهل الشام قال فلما رأيته انتضيت سيفي فقصدني فلما رآني صمّم على قتلي فشممت سيفي ثم قلت إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فلما رأى ذلك قال: من أنت قلت: أنا أبو سعيد الخدري قال: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت نعم فمضى وتركني.
قال المدائني وجيء إلى مسلم بسعيد بن المسيب فقال له بايع فقال أبايع على سيرة أبى بكر وعمر فأمر بضرب عنقه فشهد رجل إنه مجنون فخلى سبيله وقال المدائني عن عبد الله القرشي وأبى إسحاق التميمي قالا: لما انهزم أهل المدينة يوم الحرة صاح النساء والصبيان فقال ابن عمر بعثمان ورب الكعبة قال المدائني عن شيخ من أهل المدينة قال: سألت الزهري كم كان القتلى يوم الحرة قال سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار ووجوه الموالى وممن لا أعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف قال وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين وانتهبوا المدينة ثلاثة أيام قال الواقدى وأبو معشر: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين (إلى أن قال) ... وقد روى ابن عساكر .... عن المدائني قال: لما قتل أهل الحرة هتف هاتف بمكة على أبى قبيس مساء تلك الليلة وابن الزبير جالس يسمع:
الصائمون ... القانتون ... أولوا العبادة والصلاح
المهتدون المحسنون ... السابقون إلى الفلاح
ماذا ... بواقم والبقيع ... من الجحاجحة الصباح
وبقاع يثرب ويحهنَّ ... من النوادب والصياح
قتل الخيار بنوا الخيار ... ذوو المهابة والسماح
فقال ابن الزبير: يا هؤلاء قتل أصحابكم فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد أخطأ يزيد خطأ فاحشا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام وهذا خطأ كبير فاحش مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم وقد تقدم أنه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيد الله بن زياد وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية مالا يحد ولا يوصف مما لا يعلمه إلا الله عز وجل وقد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه وملكه ودوام أيامه من غير منازع فعاقبه الله بنقيض قصده وحال بينه وبين ما يشتهيه فقصمه الله قاصم الجبابرة وأخذه أخذ عزيز مقتدر وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد.
قال ابن كثير رحمه الله أن مسلم بن عقبة قال عند وفاته: (اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أحب إلي من قتل أهل المدينة وأجزى عندي في الآخرة وإن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي ثم مات قبحه الله ودفن بالمسلك فيما قاله الواقدي ثم أتبعه الله بيزيد بن معاوية فمات بعده في ربيع الأول لأربع عشرة ليلة خلت منه فما متعهما الله بشيء مما رجوه وأملوه بل قهرهم القاهر فوق عباده وسلبهم الملك ونزعه منهم من ينزع الملك ممن يشاء) .